العرب في بريطانيا | بين مرارة الغربة ووجع صيدنايا… قلوب السوريين لا...

بين مرارة الغربة ووجع صيدنايا… قلوب السوريين لا تهدأ

بين مرارة الغربة ووجع صيدنايا… قلوب السوريين لا تهدأ
أميرة عليان تبلو أبريل 30, 2026
شارك

ليست كلّ الحقيقة بحاجةٍ إلى صورة، ولا كلّ وجعٍ يحتاج إلى إعادة عرضٍ كي يصبح حقيقياً. بعض الآلام تكفيها الذاكرة، وبعض المآسي لا تحتمل الإعادة، لأنّ تكرارها نزفٌ متجدّد في قلوب الذين لم يبرؤوا أصلاً.

وصيدنايا ليس خبراً عابراً في نشرةٍ إخبارية، ولا مادةً تُستهلك على مواقع التواصل ثم تُنسى مع ازدحام المنشورات. صيدنايا حكاية وطنٍ مثقلٍ بالفقد، واسمٌ كلّما مرّ على مسامع السوريين أعاد إلى الأرواح ذلك البرد القديم؛ برد الانتظار، والخوف، والغياب الطويل.

لكنّ الوجع اليوم لا يقف عند حدود سوريا. ففي بلاد المهجر، حيث حاول السوريون أن يبدأوا حياةً جديدة وسط لغةٍ غريبة ووجوهٍ غريبة ومدنٍ لا تشبه بيوتهم الأولى، ما تزال صيدنايا تسكن تفاصيلهم الصغيرة. هناك من هرب من الموت، لكنّه لم ينجُ من الذاكرة.

في الغربة، يبدو الإنسان وكأنّه يعيش حياتين معاً؛ حياةً يحاول أن يتأقلم فيها مع واقعه الجديد، وحياةً أخرى معلّقة هناك… عند بيتٍ قديم، أو أمّ تنتظر، أو أخٍ اختفى خلف جدران السجن ولم يعد.

كثيرون في المهجر يحملون مرارتين في آنٍ واحد:
مرارة الغربة، ومرارة العجز عن احتضان أهلهم أو معرفة مصير إخوتهم وأقاربهم الذين ابتلعتهم سنوات القهر والسجون.

هناك شابٌّ يجلس في قطارٍ أوروبي مزدحم، بينما صورة أخيه الغائب لا تفارق هاتفه.
وأمٌّ في بلاد اللجوء تخفي دموعها عن أطفالها كلّما ظهر اسم صيدنايا في الأخبار.
وهناك من تعلّم لغةً جديدة، وعمل سنواتٍ ليبني حياةً مستقرة، لكنّ قلبه ما يزال عالقاً عند مكالمةٍ لم تأتِ، أو اسمٍ لم يظهر في قوائم الناجين.

الغربة لا تُنسي، ولكن تجعل الحنين أكثر قسوة.
فالإنسان حين يبتعد عن وطنه، تصبح الذكريات أكثر حضوراً، ويصبح الألم أكثر هدوءاً من الخارج… وأكثر ضجيجاً في الداخل.

ولهذا، فإن إعادة نشر الفيديوهات القاسية والمشاهد الخارجة من ذاكرة الموت، ليست دائماً شجاعةً ولا بطولةً كما يظن البعض. فالحقيقة، حين تكون بحجم الشمس، لا تحتاج إلى مزيدٍ من الضوء كي تُرى. والشمس لا تحتاج إلى مصباحٍ يعرّف الناس بها، وكذلك المآسي الكبرى لا تحتاج إلى تعذيبٍ إضافيّ لقلوب السوريين، داخل الوطن أو خارجه.

رفقًا بقلوب الأمهات.

ورفقًا أيضاً بأولئك الذين يحملون أوطانهم المكسورة في حقائب السفر، ويحاولون كلّ يوم أن يبدوا بخير أمام العالم، بينما تنهار أرواحهم بصمت كلّما عاد اسم صيدنايا إلى الواجهة.

ليس كلّ ما يُعرف يُقال، وليس كلّ ما يُقال يُعاد نشره آلاف المرّات.
فالإنسانية لا تُقاس بعدد المقاطع التي نشاركها، ولكن بقدرتنا على فهم أثرها في القلوب المرهقة أصلاً.

لقد تحوّلت بعض المآسي، للأسف، إلى سباقٍ إلكترونيّ؛ من ينشر أولاً؟ ومن يحصد التفاعل الأكبر؟ بينما هناك سوريٌّ في المهجر قد يقضي ليلته كاملةً عاجزاً عن النوم بعد مقطعٍ أعاده الناس عشرات المرّات تحت عنوان “الحقيقة”.

وصيدنايا ليس ذاكرة سجن فقط، هو ذاكرة غيابٍ جماعيّ.
هو المكان الذي ابتلع أسماءً كثيرة، وترك خلفه أمهاتٍ وآباءً وإخوةً معلّقين بين الأمل والانكسار. لا قبور واضحة، ولا أجوبة حاسمة، فقط سنواتٌ طويلة من الانتظار والأسئلة والصمت الثقيل.

سيبقى صيدنايا جرحاً في ذاكرة السوريين، داخل الوطن وفي المنافي، لكنّ الواجب اليوم ليس فقط أن نتذكّر، وإنّما أن نتذكّر بكرامة. أن نروي الحكاية دون أن نفتح الجرح كلّ يوم بالطريقة ذاتها، ودون أن نحمّل القلوب المنهكة ألماً فوق ألمها.

فبعض الناس لم تعد تنقصهم الحقيقة… وإنّما ينقصهم قليلٌ من الرحمة.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

التعليقات

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 15 مايو 2026
الشخص الذي دمر اقتصاد البلاد هو من سيصلحه..؟ مواجهة قوية بين الصحفي البريطاني ماثيو رايت ومتصل هندي الأصل من الأقلية السيخية دافع بقوة عن نايجل فاراج وحزب "ريفورم"، معتبرًا أنه "الوحيد القادر على فهم تحديات بريطانيا وإصلاحها". شاهد كيف رد…
𝕏 @alarabinuk · 15 مايو 2026
هل تخطط لزيارة بريطانيا للسياحة أو لرؤية الأصدقاء والعائلة؟ في هذا الفيديو الرسمي الصادر عن مديرية التأشيرات والهجرة البريطانية (UKVI)، يشرح لك بالتفصيل خطوات التقديم على تأشيرة الزيارة، لضمان تقديم طلبك بشكل صحيح. #شاهد الفيديو للتعرف على كافة الخطوات👇🏻 #العرب_في_بريطانيا…
𝕏 @alarabinuk · 15 مايو 2026
لا تربطها بفلسطين هوية أو عِرق أو دين أو جيرة، ولكنها تؤمن بالعدالة للشعوب، بالعدالة وحقوق الإنسان، النائبة الأسكتلندية الجديدة عن حزب الخضر، ماجي تشابمان، تؤدي اليمين داخل البرلمان وهي ترتدي الكوفية الفلسطينية تضامنًا مع الشعب الفلسطيني. #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 15 مايو 2026
سجلت هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) أكبر تحسن في أوقات الانتظار منذ 16 عاماً، مع انخفاض واضح في قوائم المرضى الذين ينتظرون العلاج، في خطوة وُصفت بأنها تحول مهم في أداء النظام الصحي. وبحسب الأرقام الرسمية، انخفضت قوائم الانتظار…
عرض المزيد على X ←