العرب في بريطانيا | الذين يمشون نحو نورٍ لا يراه سواهم

الذين يمشون نحو نورٍ لا يراه سواهم

الذين يمشون نحو نورٍ لا يراه سواهم
أميرة عليان تبلو يونيو 15, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

يقول الله عزّ وجلّ:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾

لا إضافة على كلام الله، ولا مزيد..

في الغربة يصبح الكلام أشبه بصورةٍ أخرى دقيقةٍ تعكس ما تبقّى فينا من يقين. هناك، حيث تتبدّل الوجوه بسرعة الضوء، وتتغيّر اللغات كما تتغيّر الفصول، لا يبقى للإنسان إلا ما يملكه داخلياً: همّةٌ تُقاوم الانطفاء، وإرادةٌ تُصرّ على أن تُكمل الطريق حتى حين يبدو الطريق نفسه فكرةً مستحيلة.

قال أحد الشعراء:
“إن الذي يرجو شيئاً بهمّته.. يلقاه ولو حاربته الإنس والجنّ”…

جملة تُتلى للتفاؤل العابر، وهي بيان وجود. كأنها تقول إن العالم، بكل ما فيه من عوائق مرئية وخفية، ليس أكثر من امتحانٍ لصلابة ما نريد. وأن المسافة بين الإنسان وما يحلم به ليست جغرافيا، بل مقدار النار التي يستطيع أن يحملها دون أن يحترق.

في المهجر، تتخذ هذه العبارة معنى آخر. هنا، لا تُقاس الحروب بالأسلحة، تُقاس بالخذلان الصغير المتكرر: نظرة لا تفهمك، لغة تتعثر على لسانك، وظيفة تُغلق أبوابها لأن اسمك “غريب”، وحنينٌ لا يُشفى مهما مرّ الوقت. ومع ذلك، هناك من يمشي في هذا الركام كأنه يمشي نحو نورٍ رآه وحده. ذلك الذي يؤمن أن الهزيمة خيار، وأن الحلم إذا تشبّث بالصدر، صار أقوى من كل ما يُراد له أن يسقطه.

الهمّة، شكلٌ من أشكال الإيمان بالذات حين لا يراك أحد. أن تستمرّ رغم أنّه لا أحد يصفق، وأن تزرع رغم أنك لا ترى موسم الحصاد. هي أن تؤجل الاعتراف بالإنهاك إلى ما بعد الوصول، وأن تجعل من التعب وسيلة لا عائقاً.

في الغربة، يكتشف الإنسان أن الإنس قد يحاربونه بأبسط الأسلحة: الإقصاء، التهميش، إعادة تعريفك في قوالب ضيقة. أما “الجنّ” في هذا السياق، فليسوا كائناتٍ خرافية، هم تلك القوى غير المرئية التي تُثقل الروح: الخوف، الشك، الوحدة، والذاكرة التي لا تكفّ عن استدعاء ما تركته خلفك. ومع ذلك، يظل هناك من يبتسم في وجه هذا كله، كأنه يقول للعالم: لن تكونوا أقوى من رغبتي.

كم من حلمٍ وُلد في غرفة صغيرة في مدينة باردة، بلا ضوء كافٍ ولا أصدقاء كثيرين، لكنه كان كافياً ليصنع حياة كاملة لاحقاً؟ وكم من إنسانٍ ظنّ أن الغربة ستكسره، فإذا بها تُعيد تشكيله بطريقة أكثر صلابة، كأن الألم نفسه كان يعلّمه كيف يقف؟

إن الرغبة حين تقترن بالهمّة تتحول إلى نوعٍ من القدر المصنوع ذاتياً. فالإنسان لا يحصل على ما يريد لأنه يريد فقط، وإنّما لأنه يرفض أن يقبل بغيره. وهنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة الاستمرار حين لا يكون الاستمرار منطقياً، معركة الإيمان حين تنهار كل الأدلة، ومعركة المعنى حين يصبح كل شيء بلا معنى.

في هذا السياق، تصبح الحياة في المهجر مختبراً قاسياً للنية. كثيرون يبدؤون الطريق بالحلم نفسه، لكن القليل فقط من يصلون. ليس لأن الطريق غير عادل فقط، ولكن لأن الهمم تتفاوت، ولأن بعض الأرواح تنطفئ حين تكتشف أن الواقع لا يشبه الصورة التي حملتها عنه.

لكن الذي يرجو شيئاً بهمته، لا ينتظر أن يشبه الواقع حلمه، ولكن يُجبر الواقع على أن يتسع له. هو لا يسأل: لماذا أنا هنا؟ بل: كيف أجعل هذا المكان يشبهني ولو قليلاً؟ وكيف أحوّل الغربة من منفى إلى مشروع حياة؟

ولعلّ أجمل ما في هذه الفكرة، أنها تُعيد تعريف الهزيمة. فالهزيمة ليست أن تتأخر، أو أن تتعب، أو أن تتعثر ألف مرة، ولكن أن تتوقف عن الرغبة. أن تنطفئ من الداخل، وتقبل أن تكون نسخة أقل مما كنت تحلم به. أما ما عدا ذلك، فكل شيء قابل للتأويل، وكل سقوط يمكن أن يكون خطوةً في اتجاه غير مرئي بعد.

في النهاية، لا ينتصر الإنسان لأنه الأقوى، ولكن لأنه الأكثر إصراراً على ألا يكون صغيراً أمام ما يريد. وكأن في داخله صوتاً قديماً يهمس: “إنك لم تُخلق لتعيش نصف حلم، ولا لتكتفي بنصف طريق”.

وفي الغربة تحديداً، يصبح هذا الصوت هو الوطن الحقيقي. ليس المكان الذي خرجت منه، ولا المكان الذي تعيش فيه، ولكن المكان الذي تصنعه في داخلك كلما قلت لنفسك: سأكمل.

(وأنّ سعيه سوف يُرى)

ليست أية تحمل وعداً عاديّاً، هي تذكيرٌ ربّانيٌّ من الله تعالى إلى عباده، بأنّ الطريق لا يُمنح، الطّريق الّذي نريده يُنتزع.


 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
"كل 5 أيام.. يتعرض مسجدٌ واحد للاعتداء في بريطانيا" حذّر النائب البريطاني شوكت آدم من خطورة تصاعد ظاهرة "الإسلاموفوبيا"، مؤكدًا عزمه لمواصلة الضغط على الحكومة البريطانية لاتخاذ إجراءات صارمة ضد العنصريين. كما جاءت تصريحاته بالتزامن مع تقارير رسمية كشفت عن…
𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
ثلاثة عقود خلف المايك في BBC عربي.. توثقها صفحات "ذاكرة مذيع".🎙️ احتضن مركز Bhavan Centre في لندن حفل توقيع كتاب الدكتور فؤاد عبد الرازق، برعاية مكتبة الفزاني وإدارة الدكتورة نوار سلام، وسط حضور نخبة من الإعلاميين والأكاديميين. #شاهد أبرز محطات…
𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
إلغاء الأثر الرجعي لعمال الرعاية.. أزمة القوارب وغلاء العيشة.. كيف يتعامل أندي بيرنهام مع هذه الملفات؟ https://x.com/i/broadcasts/1dGYllyokwAKX
𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
"إنها إبادة جماعية.. سمّوها باسمها الحقيقي" انتقد جيريمي كوربن، الزعيم البرلماني لحزب "يور بارتي"، تصريحات وزير الخارجية البريطاني الجديد إد ميلباند حول غزة، واصفًا إياها بأنها "مخيبة للآمال"، ومشددًا على ضرورة الاعتراف بما ارتكبه الاحتلال من جرائم حرب في القطاع.…
عرض المزيد على X ←