العرب في بريطانيا | إلى متى وإسرائيل تكسر خوافقنا شيئاً فشيئاً؟ (وج...

1447 شوال 29 | 17 أبريل 2026

إلى متى وإسرائيل تكسر خوافقنا شيئاً فشيئاً؟ (وجوه تُنسى.. وضمير يرفض الصّمت)

كسر صمت إسرائيل
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

إلى متى تواصل إسرائيل كسر خوافقنا ببطءٍ محسوب، كمن يُتقن فنّ التآكل أكثر من فنّ الصّدمة؟ هذا السؤال هو تفكيكٌ لبنيةٍ سياسيةٍ صارت تُدار بمنطق الاستمرارية دون منطق الانقطاع، وبمنطق الإخضاع التدريجي بعيداً عن الحسم المباشر. نحن أمام سياسةٍ تعرف أن الزمن حليفها، وأنّ الإنهاك أبلغ أثراً من الضربة الواحدة، وأنّ تكرار الفعل يُحوّله من استثناءٍ إلى عادة، ومن جريمةٍ إلى مشهدٍ مألوف.

لقد تبلورت هذه السياسة عبر عقودٍ طويلة باعتبارها استراتيجيةً ذات أفقٍ واضح: إعادة تشكيل الواقع بحيث يصبح الاعتراض عليه شذوذاً، لا واجباً. وهنا لا تُستخدم القوة العسكرية وحدها، فقد يُستثمر في إعادة تعريف المفاهيم ذاتها. الاحتلال لا يُقدَّم كاحتلال، ولكن يُقدّم كحالةٍ أمنية. أمّا القمع، فلا يُسمّى قمعاً، يُسمّى إجراءً وقائيّاً، والقتل أيضاً… القتل لا يُرى قتلاً، يُرى نتيجةً جانبية. وهكذا، لا يُغيَّر الواقع فقط، أيضاً يُعاد ترتيب اللغة التي نصفه بها، حتى يبدو مقبولاً أو على الأقل قابلاً للتعايش.

في قلب هذه العملية، يحدث التحوّل الأخطر: تحوّل الإنسان إلى رقم. حين يُختزل الفرد في إحصائية، يفقد وجهه، وصوته، وتاريخه، وتصبح خسارته قابلةً للقياس لا للإحساس. وهنا، نرى أنّ الموت رقماً يُضاف إلى جدولٍ طويل. هذا التحوّل شرطٌ أساسي لاستمرار السياسة ذاتها؛ إذ لا يمكن لإرادة الإخضاع أن تستمر إن ظلّ الضحايا يُرَون كذواتٍ كاملة، تحمل أسماءً وقصصاً وملامح.

غير أنّ ما يُمكّن هذه البنية من الاستمرار ليس قوتها وحدها، فأيضاً ما يحيط بها من صمت، إذ نرى أنّ الصّمت هنا حضورٌ لقرارٍ ضمني بعدم الفعل. بعضهم يصمت خوفاً، وبعضهم يصمت حساباً، وبعضهم يصمت لأنه اعتاد حتى لم يعد يرى في ما يحدث ما يستدعي الدهشة. وهذا النوع الأخير هو الأخطر، لأنه يحوّل المأساة إلى جزءٍ من الروتين اليومي، ويُفرغها من قدرتها على إثارة السؤال.

حين يصبح الألم مألوفاً، يفقد معناه الأخلاقي، ويتحوّل إلى خلفيةٍ صامتة للأحداث. نسمع عن الموت كما نسمع عن تغيّر الطقس، دون أن يترك فينا أثراً يتجاوز لحظة السماع. وهنا، لا تكون المشكلة في غزارة الألم، وإنّما في تآكل الحساسية تجاهه. إنّ أخطر ما يمكن أن تفعله قوةٌ ما ليس أن تُلحق الأذى، وإنّما أن تجعل الآخرين يتقبّلون هذا الأذى كجزءٍ طبيعي من العالم.

في هذا السياق، يُعاد تعريف الإنسان نفسه، نعم، فلم يعد الإنسان هو الكائن الذي يمتلك حقاً أصيلاً في الحياة، بل صار، في بعض الخطابات، كياناً مشروطاً، تُحدَّد قيمته وفق موقعه في الصراع. فإذا كان “ضمن” الرواية السائدة، استحقّ التعاطف، وإذا كان “خارجها”، صار قابلاً للتجاهل أو حتى للتبرير. وهكذا، تُختزل الإنسانية في انتماءٍ، لا في عمقٍ حسيٍّ، ويُصبح الحقّ مسألة موقع، لا مسألة مبدأ.

هذا الانزلاق الّذي نتكلّم عنه هو أثرٌ مباشر على الواقع، فحين تُنزع الصفة الإنسانية عن فئةٍ ما، يصبح كل ما يُمارس ضدها قابلاً للتبرير، أو على الأقل قابلاً للتغاضي. وهنا، لا يعود السؤال: هل ما يحدث صحيح؟ بل: لمن يحدث؟ وهذا تحوّلٌ خطير، لأنه يُبدّل معيار الحكم من العدالة إلى الهوية.

لكن، رغم هذا السواد، لا يمكن القول إنّ المسار حتمي. فالتاريخ لا يُكتب فقط بإرادة الأقوى، يُكتب أيضاً بقدرة الأضعف على رفض التعريفات المفروضة عليه. كل مرة يرفض فيها إنسان أن يُختزل في رقم، يحدث خللٌ في المنظومة. كل مرة يُستعاد فيها اسم ضحية، وتُروى قصتها، يُعاد جزءٌ من المعنى الذي سُلب.

إنّ المواجهة هنا هي مواجهة معرفية وأخلاقية. تبدأ من اللغة: من رفض المصطلحات التي تُخفي أكثر مما تُظهر، ومن الإصرار على تسمية الأشياء بأسمائها. فحين نقول “قتل” بدل “خسارة”، و”قمع” بدل “إجراء”، نُعيد للواقع حدّته، ونمنع تليينه.

وتستمر هذه المواجهة في الوعي: في رفض الاعتياد على ما يجب أن يظلّ صادماً. الاعتياد يا أصدقاء هو انحيازٌ صامت للواقع القائم، لأقول شيئاً من منظور منطقيٍّ، فلن أقول أنّه من منظوري الشّخصيّ، حين نعتاد، نتوقف عن السؤال، وحين نتوقف عن السؤال، نُسهم، دون أن نشعر، في تثبيت ما يجب أن يُزعزع.

ثم تمتدّ المواجهة إلى الفعل، ولو في حدوده الدنيا: في الكلمة، في الموقف، في الرفض العلني للصمت. فالصمت، مهما بدا آمناً، ليس بلا ثمن. إنه يُكلّفنا شيئاً من إنسانيتنا في كل مرة نختاره فيها. ومع تراكم هذه التنازلات الصغيرة، نجد أنفسنا وقد فقدنا القدرة على التمييز بين ما يجب قبوله وما يجب رفضه.

السؤال إذن لا يجب أن يبقى موجّهاً إلى الخارج فقط. ليس “إلى متى يستمرون؟” بل أيضاً “إلى متى نبقى كما نحن؟” لأنّ استمرار الفعل من جهةٍ ما لا يعني بالضرورة استمراره من جهةٍ أخرى. هناك دائماً مساحة للاختيار، حتى في أشدّ الظروف قسوة.

هذه المساحة قد تبدو ضيّقة، لكنها حاسمة. هي التي تفصل بين أن نكون مجرد شهودٍ على ما يحدث، أو شركاء في تغييره، ولو على مستوى المعنى.
فالمعنى هو ما يحدد كيف نرى العالم، وكيف نتصرف فيه. وإذا فُرض علينا معنى معيّن، وقبلناه دون مقاومة، نكون قد سلّمنا جزءاً كبيراً من حريتنا.

إنّ الذين يموتون ليسوا أصناماً، هم اختبارٌ حيّ لقدرتنا على البقاء بشراً. في كل وجهٍ يغيب، يُطرح علينا السؤال ذاته: هل ما زلنا قادرين على الشعور؟ هل ما زلنا نرى الإنسان في الآخر، مهما كان موقعه؟ أم أننا بدأنا، تدريجياً، نفقد هذه القدرة تحت ضغط التكرار والإنهاك؟

لا يمكن إيقاف الكسر بقرارٍ واحد، ولا يمكن قلب المعادلة بين ليلةٍ وضحاها. لكن يمكن، على الأقل، أن نرفض أن يتحوّل هذا الكسر إلى حالةٍ طبيعية. يمكن أن نُبقي الجرح مفتوحاً في الوعي ليمنعنا من النسيان. فالنسيان هو الحليف الأكبر لكل ظلمٍ مستمر.

في النهاية، ليست المسألة في قدرة طرفٍ على الفعل فقط، ولكن في قدرة الآخرين على عدم التكيّف معه. فكل منظومة ظلم تحتاج، كي تستمر، إلى قدرٍ من القبول، ولو كان هذا القبول صامتاً. وإذا كُسر هذا القبول، حتى جزئياً، يبدأ التصدّع.

لهذا، فإنّ البداية الحقيقية تكمن في إعادة بناء الداخل: في استعادة الحساسية، في رفض البلادة، في الإصرار على أن الإنسان لا يُختزل، ولا يُصنَّف، ولا يُقاس. من هنا، فقط، يمكن أن يتحوّل السؤال من صرخةٍ معلّقة في الفراغ إلى خطوةٍ على طريقٍ مختلف.

ليس “إلى متى” إذن هو السؤال الأهم، بل “كيف لا نصبح جزءاً مما نرفضه؟” وهذا السؤال، رغم بساطته الظاهرية، هو مفتاح كل تحوّلٍ ممكن. لأنه يعيدنا إلى النقطة التي يبدأ منها كل شيء: إلى الإنسان، حين يقرر أن يكون إنساناً، مهما كانت الظروف.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

التعليقات

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 17 Apr 2026
الأخصائية النفسية رنيم يطقان ترد على سؤال بشأن أهمية أخذ فترة استراحة أثناء الدراسة لامتحانات GCSE، ودور ذلك في تخفيف ضغط الاختبارات، مؤكدةً ضرورة منح العقل فرصةً للتنفس وسط زحام المناهج. #شاهد البث كاملًا ولا تفوت أبرز النصائح المهمة: https://youtube.com/live/5syxJtmwYEA…
𝕏 @alarabinuk · 17 Apr 2026
أحيت نيوكاسل يوم الأسير الفلسطيني بوقفة احتجاجية، جسدت معاناة الأسرى ووزعت الأشرطة التضامنية الحمراء على الحضور. #الحرية_للأسرى #FreePalHostages #العرب_في_بريطانيا AUK
𝕏 @alarabinuk · 17 Apr 2026
"لقد هاجمت إسرائيل 6 دول وتمتلك سلاحًا نوويًا، فكيف تكون الأقل خطورة؟" مهدي حسن @mehdirhasan يلجم المتحدث العسكري الإسرائيلي دورون سبيلمان الذي دافع عن حرب أمريكا على إيران، ويكشف بالحقائق مَن الأكثر خطورة على العالم والشرق الأوسط؛ إيران أم إسرائيل.…
𝕏 @alarabinuk · 17 Apr 2026
في خطوة أثارت مخاوف واسعةً، قررت وزيرة الداخلية البريطانية شابانا محمود سحب الجنسية من المواطن بريطاني المولد والشرطي السابق "مارك بولين" بدعوى حماية الأمن القومي؛ ما فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: هل أصبح الحق في المواطنة امتيازًا يمكن انتزاعه؟ لأول…
عرض المزيد على X ←