تحليل| بعد ليلة الصواريخ المتبادلة.. هل ما تزال واشنطن قادرة على فرض التهدئة؟
بينما كان دونالد ترامب يتحدث عن اقتراب اتفاق مع إيران، كانت المنطقة تتحرك في الاتجاه المعاكس. وخلال أيام قليلة فقط، سقطت القنابل على الضاحية الجنوبية لبيروت رغم التحذيرات الأمريكية، وانطلقت الصواريخ الإيرانية رغم دعوات التهدئة، لترد إسرائيل بدورها بشن غارات جوية في غرب ووسط إيران.
واللافت أن الحرب التي بدأت بقرار من ترامب أصبحت اليوم تتحرك رغم إرادته. فالرئيس الأمريكي الذي قرر الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة المواجهة يجد نفسه عاجزًا عن إيقاف التدحرج الذي ساهم في إطلاقه. لا يستطيع إقناع خصومه بالتراجع، كما لا يستطيع إقناع أقرب حلفائه بالتريث.

كشفت الغارات والصواريخ المتبادلة خلال الأيام الأخيرة معضلة سياسية نادرة. فالجميع يقول إنه لا يريد حربًا إقليمية شاملة، والجميع يتحدث عن أهمية التهدئة، لكن كل خطوة ميدانية تدفع في الاتجاه المعاكس.
وهنا لا تبدو المشكلة في غياب الرغبة في التهدئة بقدر ما تبدو في غياب الطرف القادر على فرضها.
منطق الحرب أقوى من منطق التهدئة
في الظاهر، تبدو الأزمة وكأنها سلسلة من القرارات المتتابعة: قنابل تسقط على الضاحية الجنوبية. صواريخ تعبر الأجواء. رد يتبعه رد مضاد. ثم جولة جديدة.
لكن النظر إلى الأحداث بهذه الطريقة يخفي ما يجري فعليًا. فكل طرف يتحرك وفق حسابات تختلف عن منطق التهدئة الذي تدعو إليه واشنطن.
بالنسبة لإسرائيل، فإن تجاهل أي هجوم إيراني يهدد صورة الردع التي سعت إلى ترميمها منذ بداية الحرب، ويبعث برسالة ضعف إلى خصومها في المنطقة.
أما إيران، فترى أن عدم الرد على الضربات الإسرائيلية، سواء استهدفت أراضيها أو حلفاءها، يهدد مصداقية شبكة تحالفاتها الإقليمية التي بنتها خلال عقود، ويمنح إسرائيل فرصة لتقويض هذه الشبكة تدريجيًا دون تكلفة تذكر.
وهكذا تبدو التهدئة خيارًا منطقيًا بالنسبة للقوى الساعية إلى احتواء الصراع، لكنها تبدو أقل إقناعًا للأطراف المنخرطة فيه مباشرة.
فكل طرف يؤكد أنه لا يريد حربًا شاملة، لكنه يتصرف بطريقة تجعل تجنبها أكثر صعوبة.
إنها معضلة الردع القديمة؛ إذ يدفع الخوف من الظهور بمظهر الضعيف جميع الأطراف إلى خطوات يقولون إنهم لا يريدون نتائجها.
ولهذا لا تتحرك الأزمة اليوم وفق ما يريده ترامب أو ما تريده الدبلوماسية، بل وفق منطق آخر أكثر بساطة وأكثر خطورة في الوقت نفسه: فكل ضربة تولّد دافعًا إلى ضربة مضادة، وكل رد يفتح الباب أمام رد جديد، لتصبح الحرب عملية تغذي نفسها بنفسها، وتستمر بقصورها الذاتي، حتى عندما يعلن الجميع أنهم يريدون إيقافها.
حدود النفوذ الأمريكي
تكشف الأزمة الحالية عن معضلة أخرى تتجاوز تبادل الضربات نفسها.
فعلى مدى عقود، لم يقم النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط على امتلاك القوة العسكرية فحسب، بل على القدرة على توظيفها بصورة تجعل التهديد باستخدامها كافيًا لتحقيق كثير من الأهداف السياسية.
فأكثر القوات فاعلية ليست دائمًا تلك التي تُستخدم، بل تلك التي تدفع الآخرين إلى تعديل سلوكهم قبل أن تُستخدم أصلًا.
غير أن ما جرى خلال الأشهر الأخيرة يطرح سؤالًا مختلفًا.
فواشنطن لم تكتفِ هذه المرة بالتلويح بالقوة، بل شاركت مباشرة في الحرب، فكسرت حاجز التهديد والأثر النفسي. ومع ذلك لم تتجه الأزمة نحو تسوية أكثر استقرارًا، بل دخلت في دورة متواصلة من الردود والردود المضادة.
وهنا يكمن جزء من الأزمة.
فالقوة التي استُخدمت لترميم الردع تحولت -ولو جزئيًا- إلى عنصر داخل معادلة التصعيد نفسها. أما الضغوط التي كان يُفترض أن تدفع الأطراف إلى التراجع، فلم تمنع عودتها إلى المواجهة بعد أسابيع قليلة فقط من وقف إطلاق النار.
ولهذا لا تبدو المشكلة في أن واشنطن فقدت نفوذها بالكامل، بل في أن امتلاك القوة واستخدامها لم يعودا يعنيان بالضرورة القدرة على توجيه مسار الأحداث.
فترامب يستطيع أن يطلب من نتنياهو التريث، وأن يدعو إيران إلى منح الدبلوماسية فرصة، لكن الوقائع الأخيرة تشير إلى أن الأطراف المنخرطة مباشرة في الصراع باتت تتحرك وفق حسابات الردع والمخاطر الخاصة بها، أكثر مما تتحرك وفق الإيقاع الذي تحاول واشنطن فرضه.
بريطانيا وأوروبا تراقبان بقلق
قد تبدو هذه الأزمة بعيدة عن بريطانيا وأوروبا للوهلة الأولى.
لكنها تمس سؤالًا أصبح حاضرًا بقوة في النقاشات البريطانية والأوروبية خلال السنوات الأخيرة.
فعلى مدى عقود، لم تعتمد الدول الأوروبية على القوة العسكرية الأمريكية فحسب، بل على دور واشنطن بوصفها الضامن الأخير للاستقرار داخل التحالف الغربي، والقوة القادرة على احتواء الأزمات ومنعها من الانزلاق إلى مواجهات أوسع.
وكان هذا جزءًا أساسيًا من قيمة المظلة الأمريكية. فهي لم توفر الحماية العسكرية فقط، بل منحت حلفاءها قدرًا من الثقة بأن الأزمات الكبرى ستظل، في نهاية المطاف، قابلة للاحتواء.
غير أن ما تكشفه الأزمة الحالية هو أن السؤال لم يعد يتعلق بحجم الالتزام الأمريكي بأمن الحلفاء وحده، بل بمدى قدرة واشنطن نفسها على التأثير في مسار الأحداث عندما تبدأ دوامات التصعيد بالتشكل.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل قضية شرق أوسطية خالصة.
فكل مرة تعجز فيها الدعوات الأمريكية إلى التهدئة عن وقف التصعيد، يتجدد في بريطانيا وأوروبا سؤال يتجاوز حدود هذه الأزمة نفسها: إلى أي مدى يمكن الاعتماد على نظام أمني يقوم، في جزء مهم منه، على قدرة الولايات المتحدة على إدارة الأزمات ومنعها من الخروج عن السيطرة؟
من يفرض التهدئة؟
تكشف الأزمة الحالية سؤالًا يتجاوز إيران وإسرائيل والولايات المتحدة نفسها.
فالمشكلة لا تكمن فقط في أن الأطراف المتصارعة لا تريد تقديم تنازلات، بل في أن الطرف الذي اعتاد أن يكون الضابط النهائي للأزمات يبدو أقل قدرة على فرض إيقاعه على الأحداث.
ولهذا لا يبدو التصعيد الأخير مجرد جولة جديدة من تبادل الضربات، بل اختبارًا لقدرة واشنطن على تحويل تفوقها العسكري إلى نفوذ سياسي فعّال.
وقد لا تكون أهم نتيجة لما جرى هي عدد الصواريخ التي أُطلقت أو الأهداف التي ضُربت، بل إنه أعاد طرح سؤال بات يتردد بصورة متزايدة في الشرق الأوسط وأوروبا على السواء: ماذا يحدث عندما تبقى القوة، في حين تتراجع القدرة على توجيه مسار الأحداث؟
وربما لهذا لا يبدو السؤال الحقيقي اليوم ما إذا كانت الجولة الحالية ستتوقف أم لا.
بل ما إذا كانت واشنطن ما تزال قادرة على أداء الدور الذي منحها نفوذها الأكبر لعقود: ليس فرض نتائج الأزمات بالقوة، بل فرض إيقاع احتوائها عندما تبدأ بالخروج عن السيطرة. وهو سؤال يخرج من حدود الشرق الأوسط ويتردد بقوة عند حلفاء واشنطن في بريطانيا وأوروبا.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇