لأول مرة إنسان يحصل على قلب خنزير معدّل وراثيًّا!
لأول مرة إنسان يحصل على قلب خنزير معدّل وراثيًّا! (Unsplash)
حَصل رجلٌ يبلغ من العمر 57 عامًا على قلب خنزير معدل وراثيًّا؛ لإصابته بمرض في القلب يهدّد حياته وذلك في ماريلاند بالولايات المتحدة الأمريكية، في انجاز ريادي بعالم الطبّ يمنح الأمل لمئات الآلاف من المرضى الذين يعانون من فشل في الأعضاء.
واعتُبر ذلك أول عمل جراحيّ ناجح يتم خلاله زراعة قلب خنزير في إنسان. وأجريت العملية التي استغرقت ثماني ساعات في بالتيمور يوم الجمعة، حيث أكد الجرّاحون في المركز الطبّي بجامعة ميريلاند أن المريض ديفيد بينيت من ماريلاند كان في حالة جيدة يوم الإثنين.
وقال الدكتور بارتلي جريفيث مدير برنامج زراعة القلب في المركز الطبّيّ الذي أجرى العملية: “إنه ينبض، ويمتلك ضغطًا، إنه قلبه!”
“إنه يعمل ويبدو طبيعيًّا، إننا نشعر بسعادة غامرة، ولكننا لا نعرف ماذا سيحصل غدًا؛ لأننا لم نقم بذلك سابقًا”
وقد حصل حوالي 41354 أمريكيًّا على أعضاء مزروعة في العام الماضي، وكانت الكُلى أكثر من نصف هذه الأعضاء، وذلك وفقًا للشبكة المتحدة لمشاركة الأعضاء، وهي منظمة غير ربحيّة تنسّق جهود شراء الأعضاء في البلاد.
ولكن هناك نقصًا حادًّا في الأعضاء؛ حيث يموت حوالي 12 شخصًا على القوائم كل يوم، بينما يحصل حوالي 3817 أمريكيًّا على قلوب بديلة من متبرعين (بشر) العام الماضي أكثر من أي وقت مضى، ولكن احتمالية المزيد من الطلب لاتزال مرتفعة.
وقد عمل العلماء بشكل جدّي لتطوير التقنيات في أجساد بعض الخنازير حتى لا يرفض جسمُ الإنسان أعضاءَها، وقد تسارعت الأبحاث في العقد الماضي حول تقنيّات جديدة لتعديل الجينات واستنساخها، حيث تأتي عملية زراعة القلب هذه بعد أشهر فقط من نجاح الجرّاحين في نيويورك في ربط كلية خنزير معدّل وراثيًّا بشخص ميت دماغيًّا.
ويأمل الباحثون أن تقود مثل هذه الإنجازات إلى دخول حقبة جديدة في الطبّ مستقبلًا؛ حيث لن يكون هناك نقص في الأعضاء البديلة لأكثر من نصف مليون أمريكيّ ينتظرون الكلى وغيرها من الأعضاء.
A true watershed moment in the world of ❤️ #Transplant. Xenotransplantation is the next stage of evolution for organ transplantation and will save the lives of thousands. @HFSA@ISHLT
First, Man Receives a Heart From a Genetically Altered Pig https://t.co/rItJ5AcBA3 pic.twitter.com/pFoo7MEr28— Ali Nsair, MD (@AliNsairMD) January 10, 2022
وقال الدكتور ديفيد كلاسين كبير المسؤولين الطبيّين في الشبكة المتحدة لمشاركة الأعضاء وطبيب زراعة الأعضاء: “هذا حدث تاريخي”، “لقد بدأت الأبواب تتفتح لنا، وسيقودنا ذلك – على ما أعتقد – إلى تغييرات كبيرة في كيفيّة تعاملنا مع فشل الأعضاء”.
ولكنه أضاف أن هناك عديدًا من العقبات التي يجب التغلب عليها قبل أن يتم اعتماد مثل هذه الإجراءات على نطاق واسع، مشيرًا إلى أن رفض الأعضاء يحدث حتى عند زراعة كليَة متبرع بشري متطابقة مع الجسد التي ستزرع فيه.
وقال الدكتور كلاسن: “أحداث مثل هذه يمكن أن تكون دراميّة في الصحافة، ومن المهم الحفاظ على إبراز وجهة النظر الطبيّة، إن تطوير مثل هذه العلاجات قد يأخذ وقتًا طويلًا”.
وقال أفراد الأسرة والأطباء: إن السيد بينيت قرر المراهنة على العلاج التجريبيّ؛ لأنه كان سيموت بدون قلب جديد، وقد استنفد العلاجات الأخرى؛ حيث كان مريضًا جدًّا وغير مستعد للحصول على قلب متبرع بشري.
وقال الخبراء: إن تشخيصه غير متاح؛ حيث لا يزال السيد بينيت متصلًا بجهاز تحويل مجرى القلب والرئة، والذي كان يبقيه على قيد الحياة قبل العمليّة، لكن هذا الأمر معتاد بالنسبة لمن يجرون عملية زراعة قلب جديد.
ويعمل القلب الجديد بأتمّ الجاهزيّة تقريبًا، ويضيف الأطباء بأنه قد يتم فصله عن الجهاز يوم الثلاثاء، وتجري مراقبة السيد بينيت عن كثب؛ بحثًا عن علامات رفض جسده للعضو الجديد، ولكن الساعات الثماني والأربعين الحرجة الأولى مرّت دون وقوع حوادث.
كما تتم مراقبته أيضًا؛ بحثًا عن أي عدوى، بما في ذلك الفيروس الارتجاعي للخنزير، وهو فيروس قد ينتقل من الخنازير إلى البشر، ولكنه منخفض الخطر.
و قال بينيت قبل الجراحة “إما أن أموت أو أجري عملية الزرع هذه، أريد أن أعيش، أعلم أن فرصتي ضئيلة، ولكنه خياري الأخير”، وذلك بحسب مسؤولي المركز الطبّي بجامعة ميريلاند.
“هل سأصدر صوتًا كالخنزير؟”
وقال الدكتور غريفيث بأنه طرح فكرة العلاج التجريبيّ لأول مرة في منتصف كانون الثاني/ديسمبر، حيث كانت المحادثة “لا تُنسى وغريبة جدًّا”.
وقال الدكتور جريفيث: “لا يمكننا أن نمنحك قلبًا بشريًّا؛ فأنت غير مؤهل لهذا، ولكن ربما يمكننا استخدام قلب أحد الحيوانات كالخنزير، ولكننا لم نفعلها سابقًا، إلا أننا نعتقد أنه يمكننا القيام بذلك”.
وأضاف الدكتور جريفيث: “لم أكن متأكدًا من أنه كان يفهمني”، ثم قال: ” حسنًا، هل سأصدر صوتًا كالخنزير؟”
تعتبر عملية زرع الأعضاء (Xenotransplantation) عملية تطعيم أو زرع أعضاء وأنسجة، وذلك بأخذها من الحيوانات إلى البشر، وهي عملية قديمة العهد؛ حيث تعود أول محاولات استخدام دم وجلد الحيوانات إلى مئات السنين.
ففي ستينيات القرن الماضي تمّ زرع كليتَي شمبانزي عندالمرضى من البشر، ولكن أطول عمر عاشه المريض كان تسعة أشهر. وفي عام 1983 زُرع قلب بابون عند رضيعة تعرف باسم “بابي فاي”، ولكنها توفيت بعد 20 يومًا.
تعديلات وراثية … تعطيل 4 جينات وزراعة 6 جينات بشرية لقلب الخنزير
تمتلك الخنازير مزايا تتفوق على الأنواع الرئيسية مثل الثدييات فيما يخص عمليات شراء الأعضاء؛ لأن تربيتها أسهل، وتصل لحجم الإنسان البالغ في ستة أشهر، بينما تُزرع صمامات قلب الخنزير بشكل روتينيّ في البشر، وقد تلقى بعض مرضى السكريّ خلايا بنكرياس الخنازير. كما تم استخدام جلد الخنزير كنسيج مؤقت لمرضى الحروق.
وقد أدّت تقنيّات التعديل والاستنساخ إلى الحصول على أعضاء خنزير معدّلة وراثيًّا وأقل تعرضًا للرفض من البشر؛ حيث تم زرع قلوب الخنازير بنجاح في قرود البابون من قبل الدكتور محمد محي الدين أستاذ الجراحة في كليّة الطبّ بجامعة ميريلاند، والذي أسس برنامج زراعة القلب مع الدكتور غريفيث وهو مديره العلميّ، ولكن المخاوف المتعلقة بالسلامة، والخوف من الاستجابات المناعيّة هي التي عرقلت زراعة هذه الأعضاء لدى البشر حتى وقت قريب.
وقال الدكتور جاي فيشمان المدير المساعد لمركز الزرع في مستشفى ماساتشوستس العام: إن استخدام أعضاء الخنزير يوفّر القدرة على إجراء التلاعب الجينيّ، والوقت لإجراء فحص أفضل للأمراض المعدية، وإمكانية توفير عضو جديد في الوقت الذي يحتاج إليه المريض.
وقال أيضًا: “إن هناك تحدّيات أكيدة، ولكن هناك فرصًا أيضًا”.
فالقلب المزروع في السيد بينيت جاء من خنزير معدّل وراثيًّا قدمته Revivicor شركة الطبّ التجديديّ التي تتخذ من بلاكسبيرج في فيرجينيا مقرًّا لها.
وكان للخنزير 10 تعديلات وراثيّة تم إلغاء أربعة جينات أو تعطيلها، بما في ذلك الجينات التي تشفّر الجزء المسبب للاستجابة الرافضة والعدوانيّة من الجسد البشريّ.
وقال الدكتور محي الدين الذي أجرى مع الدكتور جريفيث الكثير من الأبحاث التي سبقت عملية الزرع: “تم تعطيل جين النمو أيضًا؛ لمنع قلب الخنزير من الاستمرار في النموّ بعد الزرع”.
وبالإضافة إلى ذلك تم إدخال ستة جينات بشرية في جينوم الخنزير المانح، وهي تعديلات مصمّمة لجعل أعضاء الخنزير أكثر تحمّلًا للجهاز المناعيّ البشري.
واستخدم الفريق عقارًا تجريبيًّا جديدًا طوّر الدكتور محي الدين جزءً منه، وصنعته شركة كينيكسا للأدوية؛ لتثبيط جهاز المناعة ومنع الرفض. كما استخدم جهاز جديد لإبقاء قلب الخنزير محفوظًا حتى الجراحة.
وعملت إدارة الأغذية والأدوية بشكل مكثّف في نهاية العام؛ لتمنح جرّاحي الزراعة تصريحًا طارئًا للعملية عشيّة رأس السنة.
وقد واجه الجرّاحون عددًا من التداعيات والمنعطفات غير المتوقعة.
وقال الدكتور غريفيث: “كان التشريح يحصل في مكان صغير، ومررنا ببضع لحظات من التعثّر، وتوجب علينا إجراء بعض الجراحة التجميليّة الذكيّة؛ لجعل كل شيء مناسبًا، وعندما أزال الفريق المشبك الذي يقيد تدفق الدم إلى العضو “نبض القلب بقوة ” و”بدأ قلب الحيوان ينضغط”.
وعندما أخبر السيد بينيت أول مرة ابنه ديفيد عن عملية الزرع القادمة كان مرتبكًا.
حيث قال (بينيت) الابن، والذي يعيش في (رالي): “في البداية لم أصدقه”، لقد كان في المستشفى لمدة شهر أو أكثر، وكنت أعرف أنه قد يهذي، اعتقدت أن ذلك لن يحدث بأي شكل من الأشكال”.
وقال أيضًا: إن “والده كان قد أدخل صمام خنزير قبل حوالي عقد من الزمن، وكان يعتقد أن ذلك قد يكون مربكًا”، ولكن بعد فترة قال بينيت: “أدركت أنه يقول الحقيقة وهو بكامل رشده، وقد يكون أول من يُجري عملية كهذه على الإطلاق”.
الرابط المختصر هنا ⬇
