عرب بريطانيا: الهوية والانتماء وتعقيدات أخرى

عرب بريطانيا: الهوية والانتماء وتعقيدات أخرى
عرب بريطانيا: الهوية والانتماء وتعقيدات أخرى (Unsplash)

مجدّدًا أعود ومتأخرًا (أرجو المعذرة) للحديث الهادئ عن عرب بريطانيا وإشكاليات الانتماء والهوية. عرضت في مقالي السابق  عرب بريطانيا: الهوية الحائرة إلى معاناة الجالية العربية “غير المرئية” في بريطانيا. وتطرّقت إلى أنَّ سببًا أساسيًّا لهذه المعاناة يعود إلى الإهمال الذاتي بالأساس. وكما يقول المثل العربيّ “من هانت عليه نفسه هان على الناس”.

 

واسمحوا لي هنا أن أتحدّث بمنتهى الصدق مع النفس، ليس من باب جلد الذات، لكن، كي تصل إلى حلّ لأيّ مشكلة، لا بدَّ من الاعتراف بها أولًا. وهذا نصف الحلّ.  فقد اعتدنا في بلادنا الأصلية على الخشية من الاعتراف بالمسؤولية عن الأخطاء، ونجيد تحميلها للآخرين، حكومات كانت أم مؤسسات، الظروف العامة، أو حتى التقاليد الاجتماعية، وفي مناسبات كثيرة خشية أن نظهر بمظهر الضعفاء. وهذه الخشية نابعة بالأساس من التبعات التي قد تترتب على الاعتراف بالمسؤولية، والتي قد تكون مؤذية جدًّا في كثير من الأحيان.

 

عرب بريطانيا: الهوية والانتماء وتعقيدات أخرى
عرب بريطانيا: الهوية والانتماء وتعقيدات أخرى

 

وعلى الرغم من انتقالنا للعيش في ظروف مختلفة للغاية، ما زلنا نحمل معنا كثيرًا من هذا الإرث. ورغم انتقادنا لكثير منه، إلا أنّنا سرعان ما نلجأ إليه، احتماءً من مواقف نعدها ذات تبعات.

 

الإشكالية الحقيقية ليست في هذا التوصيف، وفي تبعاته علينا، خاصة لمن عاش طفولته كاملة في الأوطان الأصلية. الإشكالية الحقيقية تعود في تأثيرها على الأبناء الذين ترعرعوا في المجتمع البريطانيّ بالأساس، ولا يحملون كثيرًا من ذاك الإرث الذي يحمله الآباء. هؤلاء تختلط عليهم المواقف والأمور وفي كثير من الأحيان لا يجدون لها تفسيرًا، وقد يُجبرون على تقليدها وتطبيقها دون وعي منهم، ما يتسبب لكثير منهم بالتوتر نتيجة عدم الاتفاق فيما يتلقونه من المحيط الخارجيّ والمحيط الداخليّ.

 

ومن المؤسف أنَّ كثيرًا من الآباء لا يعون تلك الحقيقة مطلقًا، وهذا بشهادة من قابلتهم من الشباب اليافع قبل سنوات. كثير ممن قابلت منهم، أراد الحديث طويلًا، تبرعًا منهم وربّما رغبة في الحديث لمن شعروا أنَّه قد يفهمهم.  وهذا أمر جد مهم، ولا ينبغي للآباء تجاهله، فالعواقب قد تكون وخيمة للغاية.

 

 

عرب بريطانيا: الهوية والانتماء وتعقيدات أخرى
عرب بريطانيا: الهوية والانتماء وتعقيدات أخرى (Unsplash)

 

 

ولنحدّد هنا بكثير من الصراحة، ما يعتقد الآباء أنّهم يفعلون، ظنًّا منهم أنَّه كافٍ. هذا بعض مما ذكره هؤلاء اليافعون ومما لاحظته بشكل شخصيّ على مدار سنوات طويلة:

  • نرسل أبناءنا لمدارس نهاية الأسبوع ليتعلموا اللغة العربية والقرآن
  • نرسلهم لزيارة بلاد آبائهم متى سنحت الفرصة
  • نطلب من الفتيات ارتداء الحجاب في سن صغيرة
  • لا نطلب من الفتيات ارتداء الحجاب أو الاهتمام بالصلاة لكلا الجنسين (مثال يتناقض مع سابقه)
  • نكثر من ذكر أنَّ هذا المجتمع الذي نعيش فيه لا يمت لنا بصلة
  • نكثر من الحديث على أنّنا قد نعود إلى بلادنا في أيّ وقت
  • لا أحد من الأهل يكترث لما يعانيه بعض اليافعين من مضايقات أو مشاكل
  • لا يتفهم الأهل حقيقة أنّ الأبناء يتربون في بيئة مختلفة كليًّا عن بيئة الآباء الأصلية

هذه عينة صغيرة مما يُمكن ذكره، ولكن على سبيل الاستشهاد. عدد كبير من الآباء يكتفي بإرسال الأبناء لمدارس اللغة العربية خلال العطلة الأسبوعية، مكتفين بذلك على سبيل رفع الحرج عن أنفسهم، لدى الكثيرين، رغم أنَّ كثيرين أيضًا يحاولون جديًّا أن يستفيد أبناؤهم من هذه الفرصة، ويتقنون بالفعل اللغة العربية إلى حدّ كبير بعد سنوات.

 

القضية هنا، أنَّ هذا غير كافٍ إطلاقًا ولا بالحدّ الأدنى. فهو لا يغني عن العلاقة المقصودة الواعية بين الآباء والأبناء. ولا يمكن نقل التجربة من البلد الأصليّ، حيث يتجاهل الآباء العلاقة مع الأبناء بحكم أنّهم بين أهلهم وتؤثر بهم ثقافة المجتمع العامة، ويحتكون بأناس من ذات الثقافة الاجتماعية أو الدينية.

 

هذا خطأ شائع بين الآباء في بريطانيا. وقد يكتفي بعضهم بدور الأمّ إن كانت لا تعمل، ولا يمثل دور الأب هنا سوى 10% من تفاصيل حياتهم.

في كثير من الأحيان، لا يعلم الأب منهم أصحاب ابنه أو بنته؟ أين يذهبون؟ وبمن يختلطون؟ هل يعانون من أيّة مشاكل نفسية، أو اجتماعية، أو حتى مادية؟ المهم أنّهم يأكلون ويشربون ويلبسون ويذهبون للمدارس.

 

 

عرب بريطانيا: الهوية والانتماء وتعقيدات أخرى
عرب بريطانيا: الهوية والانتماء وتعقيدات أخرى

 

قصص من عرب بريطانيا

 

دعوني أنقل لكم بعض ما قاله هؤلاء اليافعون خلال المقابلات، وأترك لكم استنتاج ما بين السطور.

 

“والدي أجبرني على لبس الحجاب في سن صغيرة (10 سنوات)، كنت أتعرض للاستهزاء من الأطفال في المدرسة. كنت اتجاهلهم أحيانًا كما قالت لي أمي، وفي أحيان كثيرة كنت أغضب وأشتبك معهم. تعرضت لكثير من العقوبات على سلوكي في المدرسة. والدي لم يكن يكترث لذلك. كان يطالبني بالصلاة وهو لا يلتزم بها أصلًا، وهدّدني كثيرًا بأنّني حين أكبر سأعود إلى مسقط رأسه”.

 

وحين سؤالي لها بما تعرفين نفسك من حيث الانتماء، أجابت: “والدتي تقول إنَّنا (من جنسية عربية معينة)، لكنّ سؤالك صعب.. حقيقة لا أعلم”.

 

ويقول آخر: “كنت أحبّ اللغة العربية، وتعلمت القرآن في مدرسة عطلة الأسبوع. لكنّ والديّ لم يكونا يهتمان إذا ما كنت أصلي أم لا. حاولت عدة مرات الالتزام وأنا صغير، لكني الآن في الجامعة وأعاني بشدة أنني لا ألتزم بالصلاة، يمكنني تحدث العربية لكن بلغة والديّ، لا أفهم كثيرًا حين أتحدث مع عرب من أصول مختلفة، نتحدّث الإنجليزية للسهولة. أعلم أنّ والديّ كانا يعملان من أجلنا، لكني كنت أودّ أن يساعداني على الصلاة”.

 

وحين سؤالي له بما تعرف نفسك؟ أجاب: “أودّ أن أعرف نفسي أنني  (جنسية عربية)XXXXXX بريطانيّ”.

 

وتقول ثالثة: “والداي من أصول عربية، لكنّ أحدًا لم يتحدث العربية داخل البيت. نتحدث بالإنجليزية طوال الوقت، رغم أنّ والديّ مسلمان، نادرًا ما كنت أراهما يمارسان الشعائر الدينية، حاليًا أنا لا أؤمن بأيّ دين، ولا أجد مشكلة في ذلك”.

 

وحين سؤالي لها بما تعرفين نفسك؟ أجابت: “أنا بريطانية”.

 

وحتى نوازن بين الأمثلة أعلاه والأمثلة الأخرى، ذكر أحد الشباب التالي: “نحن 4 إخوة وأخوات في البيت. والداي مهتمان جدًّا بنا، هم فعلًا أصدقاء لنا، يعرفون تقريبًا كلّ شيء عنا، وحين كنّا نتعرض لأية إشكاليات في المدرسة، كانا دائمًا يشيران علينا بما يتوجب فعله. تربينا على أنّنا جزء من هذا المجتمع، وأنّ علينا مسؤولية تجاه أنفسنا أولًا وتجاه أسرتنا وأصدقائنا. صحيح أنّهم أحيانًا لا يفهمون بعض المواقف التي تواجهنا، لكنّهم يحاولون”.

 

وحين سؤالي له بما تعرف نفسك أمام أصدقائك؟ أجاب: “أنا بريطانيّ مسلم”، وأحبّ موطن والديّ ونزوره باستمرار.

 

أترك لكم تفسير ما بين السطور، في هذه الشهادات، والتي هي غيض من فيض.

 

 

عرب بريطانيا: الهوية والانتماء وتعقيدات أخرى
عرب بريطانيا: الهوية والانتماء وتعقيدات أخرى

 

 

ما يحتاجه الأبناء أكثر بكثير من الأكل والملبس والمشرب والمدرسة. أكثر ما يتوجب على الأهل هو أن يبنوا علاقة صحية مع أبنائهم، علاقة يملؤها التفاهم والحب والصراحة. العلاقة السلمة مع الأبناء تبني شخصيات سوية، تفهم ما عليها من مسؤوليات، وتعلم ما ينبغي عمله. تحترم قيم الأهل وقيم المجتمع الذي يعيشون فيه، ويستطيعون تمييز الغث من السمين.

 

يتلقون أفضل ما في قيم آبائهم وقيم المجتمع البريطاني، والأهم أنّهم لا يشعرون أنّهم غرباء عن هذا المجتمع، ولا يعيشون على الهامش، بل ويقتحمون كلّ مجالات الحياة في بريطانيا، وهناك كثيرٌ من الأمثلة الناجحة التي صنعتها تربية واعية، صادقة، وموجهة.

 

السؤال الذي أرجو سماع الردّ عليه من الآباء، “إلى أيّ منهم ينتمي أبناؤكم، وأرجو أن تكونوا صادقين مع أنفسكم. هنا يبدأ الإصلاح! وأراكم في جولة أخرى قريبًا.

 


 

اقرأ المزيد

 

عرب بريطانيا: الهوية الحائرة

 

أنشطة عربية بين يدي رمضان 2022 في بريطانيا

 

14 فعالية للجاليات العربية في بريطانيا بفبراير ومارس 2022

احصل على آخر التحديثات

اشترك في رسائلنا الإخبارية الأسبوعية

لا بريد مزعج ، اشعارات فقط حول الاخبار الجديدة والحياة في بريطانيا.

AlArab in UK

FREE
VIEW