مراهقو “التريند” في لندن: كيف نتعامل معهم؟
ما نشهده اليوم في شوارع لندن ليس ظاهرة معزولة ولا طارئة، فهو امتداد طبيعيٌّ لواقع جديد تشكّله وسائل التّواصل الاجتماعي، حيث تتحوّل اللّحظات العابرة إلى محتوى، والسلوكيات الفردية إلى “تريند” يتسابق عليه المراهقون. الفرق بين الأمس واليوم ليس في “شقاوة المراهقة”، الفرق في أن هذه الشقاوة باتت تُعرض وتُكافأ ويعاد إنتاجها أمام آلاف المتابعين.
ومن خلال التجربة في هذا البلد، يمكن القول إن التعامل مع هذه الظواهر لا يكون بالمبالغة في التهويل، ولا بالاستخفاف، يكون بفهم بسيط وعملي لما يجري، والتصرف وفق هذا الأساس.
أولاً: إلى أولياء الأمور

المسألة لا تتعلق بالمراقبة الصارمة بقدر ما تتعلق ببناء وعي مبكر، فكثير من المراهقين، وخاصة الفتيات، ينجرفون خلف هذه “التريندات” بحثاً عن القبول والاهتمام. وهذه حاجة إنسانية طبيعية، لكن الخطورة تبدأ حين يُسعى إليها خارج نطاق البيت.
حين يجد الأبناء التقدير داخل أسرهم، يقلّ اندفاعهم لطلبه من الغرباء عبر الشاشات. هذه ليست مثالية تربوية، بل واقع ملموس.
ومن المهم والضّروريّ أيضاً أن يفهم الأبناء بوضوح أن ما يُنشر اليوم لا يختفي غداً. في بريطانيا، “البصمة الرقمية” باتت جزءاً من تقييم الإنسان، سواء في التعليم أو العمل. فيديو عابر قد يُغلق باباً حقيقياً في المستقبل.
أما على الصعيد القانوني، فالأمر أكثر جدية مما يظن البعض. تصوير الآخرين دون إذن، أو التشهير، أو حتى “المزاح” الذي يتجاوز الحدود، قد يضع صاحبه أمام مساءلة قانونية وسجل يؤثر يمتدّ أثره لسنوات.
ثانياً: إذا وجدت نفسك مستهدفاً

بعض المراهقين لا يبحثون عن مشكلة بقدر ما يبحثون عن “مقطع”. هم يريدون رد فعل، أي رد فعل.
هنا، أهم ما يمكن فعله هو كسر هذه المعادلة. تجاهل الاستفزاز ليس ضعفاً، وإنّما وعي. عدم الانجرار هو ما يُفشل الفكرة من أساسها.
الانسحاب بهدوء، واللّجوء إلى أماكن آمنة أو المراقبة، هو التصرف الأذكى. وفي حال تطور الموقف، يكفي أن تكون يقظاً دون أن تدخل في مواجهة مباشرة.
في هذا البلد، القانون يحمي من يتعرض للإساءة، لكنه لا يتساهل مع من يتحول إلى طرف في الاعتداء، حتى لو كان ذلك بدافع الغضب.
ثالثاً: إذا كنت شاهداً

المشكلة لا تتوقف عند الفاعل والمتضرر، فقد تمتد إلى من يشاهد ويتفاعل. التجمهر أو التصوير بدافع الفضول يغذي السلوك بدل أن يحدّ منه.
في الحالات الخطرة، الاتصال بالشرطة (999) هو التصرف الصحيح، وفي الحالات الأقل إلحاحاً يمكن الاتّصال بـ(101). هذه مسؤولية، وليست خياراً.
أما التدخل، فيجب أن يكون حذراً وسلمياً، ويفضل أن يكون جماعياً لا فردياً، مع تجنب أي احتكاك جسدي، لأن التعامل مع القاصرين في القانون البريطاني مسألة حساسة.
وإذا تم توثيق الحادثة، فالمكان الصحيح لهذا التوثيق هو الجهات المختصة، لا حسابات التواصل الاجتماعي. نشر المقاطع لا يردع الظاهرة، ولكن يساهم في انتشارها.
لندن مدينة قانون، لكنها أيضاً بيئة مليئة بالتحديات، خاصة أمام جيل نشأ في عالم رقمي مفتوح. وما نراه اليوم هو نتيجة هذا التداخل العميق بين الواقع والشاشة.
المطلوب ليس القلق الدائم، ولا الخطاب القاسي، المطلوب قدر من الحكمة والهدوء. أن نفهم أبناءنا، وأن نوجههم، وأن نذكّرهم دائماً بأن لحظة عابرة لا تستحق أن تُدفع مقابلها سنوات من المستقبل.
اقرأ أيضًا:
- أحداث كلافام في لندن وظاهرة الـ “Linkups”: تفاصيل ما جرى وخلفيات شغب المراهقين في الشوارع البريطانية
- اعتقال 6 فتيات مراهقات بعد أعمال شغب في كلافام جنوب لندن
- مقتل شخصين في حوادث طعن منفصلة خلال ساعات قليلة في لندن
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇



