في تلك البلاد ما زال هناك متّسعٌ للأمل (نحبها…حتّى في خرابها الكبير)
في تلك البلاد الّتي أُرهقت خرائطها من كثرة ما أُعيد رسمها، وتعبت شوارعها من وقع الأقدام الثقيلة، ما زال هناك متّسعٌ للأمل.
هناك حيث الأمل فيها كائنٌ خفيّ، يتسلّل بين الشّقوق، ويعيش في الأماكن التي يظنّها الجميع قد ماتت.
في تلك البلاد، يُنتزع الأمل انتزاعاً من قلب الألم. كأنّه قرارٌ داخليٌّ عنيد بأنّ الحياة، رغم كل ما فيها، تستحق أن تُعاش. هناك، حيث تتراكم الخيبات كما تتراكم الغيوم الثقيلة، يتعلّم الناس أن السماء لا تمطر دائماً حزناً، وأن الغيم مهما طال، لا بد أن ينقشع يوماً.
أمّا عن الأمل هناك، فهو أملٌ مُثقَلٌ بالتجارب، يعرف الخسارة كما يعرف الانتظار، ويُدرك أن الطريق ليس مستقيماً، ولكن مليء بالمنعطفات التي لا تُرى إلا حين نصل إليها. ومع ذلك، يظلّ قائماً، كأنّه آخر ما تبقّى للإنسان حين تتهاوى الأشياء الأخرى.
في تلك البلاد، ترى الأمّ وهي تُعدّ الطعام بعناية، رغم قلّة ما تملك، وكأنها تُقنع نفسها قبل أطفالها بأن الغد سيكون أفضل. ترى الأب الذي يخرج كل صباح، لا لأنه واثق من النجاح، وإنّما لأنّه لا يريد أن يستسلم لفكرة العجز. ترى الطفل الذي يضحك؛ لأنه لم يتعلّم بعد كيف يسلّم له.
الأمل هناك يتجسّد في تفاصيل صغيرة، قد لا يلاحظها من ينظر من بعيد. في نافذةٍ تُفتح رغم البرد، في شجرةٍ تُزرع رغم القحط، في كلمةٍ طيّبة تُقال في وقتٍ قاسٍ. كأنّ الناس هناك قرّروا، بشكلٍ غير معلن، أن يقاوموا اليأس بطريقتهم الخاصة، وهي الاستمرار.
ولعلّ أعظم ما في ذلك الأمل أنه لا يعتمد على معجزة، فهو لا ينتظر حدثاً خارقاً يغيّر كل شيء دفعةً واحدة، ولكن يؤمن بالتراكم، بالخطوات الصغيرة التي قد لا تُرى، لكنها تُبنى فوق بعضها، حتى تصنع فرقاً. هو أملٌ واقعيّ، يعرف أن الطريق طويل، لكنه لا يرى في ذلك سبباً للتراجع.
في تلك البلاد، الأمل نارٌ ملتهبةٌ من نيران المقاومة، والّتي هي مقاومة بالمعنى، أي أن تُصرّ على أن يكون لحياتك قيمة، رغم كل ما يُحاول أن يُفرغها منها. أن تُحبّ، وتخطّط، وتحلم، وكأن العالم لم يتصدّع من حولك. أن تُبقي قلبك مفتوحاً، رغم كل ما تعرّض له من انكسار.
وهنا، يتجلّى البعد الفلسفي للأمل: هل هو وهمٌ جميل، أم ضرورة لا بدّ منها؟
في تلك البلاد، لا يعود هذا السؤال مهماً؛ لأن الأمل، سواء كان وهماً أم حقيقة، هو ما يُبقي الإنسان واقفاً، هو ما يمنحه القدرة على الاستمرار، وعلى تحمّل ما لا يُحتمل. ربما لا يغيّر الواقع فوراً، لكنه يغيّر طريقة رؤيتنا له، وهذه بداية كل تغيير.
الأمل هناك يشبه الضوء الخافت في نهاية نفقٍ طويل. قد لا يكون واضحاً، وقد يتلاشى أحياناً، لكنه لا يختفي تماماً. يظلّ حاضراً، كاحتمال، كإشارة إلى أن الطريق لا ينتهي هنا. وربما هذا ما يكفي.
في تلك البلاد، يتعلّم الناس أن الأمل رفيق الألم. يسيران معاً، جنباً إلى جنب. الألم يذكّرهم بما فقدوه، والأمل يذكّرهم بما يمكن أن يكون. وبين الاثنين، تتشكّل حياتهم، بكل ما فيها من تناقضات.
وقد يبدو هذا الأمل، في نظر البعض، نوعاً من السذاجة. كيف يمكن للإنسان أن يأمل، وهو يرى كل هذا الخراب؟ لكن الحقيقة أن الأمل ليس تجاهلاً للواقع، ولكن اعترافٌ به، مع رفض أن يكون الكلمة الأخيرة. هو إيمانٌ بأن ما نراه الآن ليس النهاية، فهو مرحلة، مهما طالت.
في تلك البلاد، لا أحد يملك رفاهية اليأس الكامل؛ لأن اليأس، إن اكتمل، يعني التوقّف، والتوقّف هناك رغد عيشٍ لا يملكه أحد. لذلك، يُبقي الناس على شعلة صغيرة من الأمل، حتى لو لم يكونوا متأكدين من قدرتها على الإضاءة. يكفي أنها موجودة.
وهذا ما يجعل الأمل، في عمقه، فعلاً إنسانياً عميقاً. ليس لأنه يَعِد بنتائج مؤكدة، ولكن لأنه يُعبّر عن إرادة الحياة. عن تلك الرغبة الغامضة في الاستمرار، رغم كل شيء. وربما هذه هي المعجزة الحقيقية: أن يختار الإنسان الحياة، مرةً بعد مرة، حتى حين لا تبدو مغرية.
في تلك البلاد، ما زال هناك متّسعٌ للأمل، ليس لأن الظروف تسمح بذلك، وإنّما لأن الإنسان يخلق هذا المتّسع بنفسه. يوسّعه كل يوم، بإصراره، بصبره، بقدرته على النهوض بعد كل سقوط. كأنّه يقول، بصمتٍ عميق: لن أسمح لليأس أن يحتلّ كل المساحة.
وهكذا، يستمرّ الأمل، كحضورٍ يوميّ، يتجدّد في كل صباح. قد يكون هشّاً، وقد يتعرّض للاهتزاز، لكنه لا ينكسر بسهولة. لأنه ليس فكرة في الرأس فقط، هو جذورٌ في القلب.
ربما لا تكون تلك البلاد مختلفة كثيراً عن غيرها، لكن ما يميّزها هو هذا الإصرار الخفيّ على الحياة. ذلك الإيمان، الذي لا يُعلن نفسه بصخب، لكنه يظهر في كل تفصيلة صغيرة. وفي كل مرة يختار فيها إنسان أن يستمر، رغم كل ما يدعوه للتوقّف.
هناك، في تلك البلاد، ما زال هناك متّسعٌ للأمل…
وما دام الأمل موجوداً، فالحكاية لم تنتهِ بعد.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
