رحلة الصّوت والامتنان: من الطّفولة إلى النّضج (مصطفى عزّاوي)
كلّ صوتٍ يحمل وراءه قصّة، وكلّ نغمة هي وسيلةٌ تربط بين ما مضى وما هو آتٍ. في حلقة مؤثرة من بودكاست عرب، الّذي يقدّمه عدنان حميدان، جلس المنشد (مصطفى العزاوي)، وابتدأت كلماته برفق، كأنها تنهض من قلبٍ يرفض الصّمت، لتبوح بحكاية بدأت من فلسطين، الّتي كان لها البصمة الأولى في بداياته.
فلسطين، بأرضها الجريحة وسماءها المشتعلة، كانت البداية نعم، فقد كان غناؤه صرخة قلب اختار الإنشاد لها، قبل أن يختار لنفسه طريق الفن. أي قلب يمكن أن يحمل وجع شعب، ويجد في صوته منفذاً للحرية؟ أي قلب يمكن أن يختار الغناء ليس لنفسه، ولكن لمن فقدوا الأمل في صوتهم؟
هنا تبدأ الرّحلة: من صوت طفل يرفض الصّمت، إلى رجل يعرف أن الصوت أمانة قبل أن يكون متعة وطرب.
في هذه الحلقة، جلس المنشد (مصطفى العزاوي) ليكشف طبقاتٍ من الروح تشكّلت تحت ضغط الألم، والغربة، والسياسة، والإيمان. حديثه كان أشبه باعترافٍ طويلٍ أمام انعكاسٍ شفاف؛ لا يعكس الملامح بقدر ما يعكس الأسئلة. هناك، تتعرّى الألقاب، وتتراجع الأضواء، ويبقى الإنسان وحده في مواجهة حقيقته الأولى.
الصوت الذي عرفه الجمهور ما كان مجرد أداةٍ للإنشاد، كان أثراً تراكمياً لتجارب متداخلة: طفولةٍ وُلدت في زمنٍ مضطرب، وشبابٍ تفتّح على قلق الهوية، وتجربةٍ روحيةٍ كسرت حدود السياسة، وشهرةٍ كشفت هشاشة الصورة، ثم نضجٍ أعاد ترتيب العلاقة بين الجرح والمعنى. هكذا بدت الحلقة: رحلةً فلسفيةً في معنى أن يكون الإنسان صوتاً، وأن يكون الصوت ضميراً.
الطّفولة: حين يولد الصوت من رحم الصمت
يولد الإنسان مرّتين: مرّةً من رحم أمّه، ومرّةً من رحم معاناته. وفي البدايات التي أشار إليها العزاوي، لم تكن الطفولة مرحلةً زمنيةً بريئة، ولا طريقاً مكلّلاً بالورد والزهر، كانت تأسيساً خفيّاً لوعيٍ يتشكّل تحت وطأة واقعٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ مضطرب، يعرّي القلوب حتّى تكشّر عن أنيابها، وتظهر ما لديها من ضيق.
لم يكن يتذكّر الأردن، بقدر ما يتذكّر أنّ الامتنان لها كان يسكنه كذاكرةٍ لم يعشها، وكدينٍ إنساني لا يسقط بالتقادم.
مات الأب بعد اثنين وخمسين يوماً فقط من ولادته، فكبر وهو يتعلّم معنى الغياب قبل أن يتعلّم معنى النداء.
لم يرَ والده، لكن ظله رافقه طويلاً، كوصيّةٍ غير مكتوبة بأن يكون قويّاً بما يكفي ليكمل الحياة وحده، رغماً عن كلّ المصاعب.
الطفل الذي ينشأ في بيئةٍ مثقلةٍ بالتوتر لا يتعلّم اللعب أولاً، ولكن يتعلّم الحذر، ولا يحفظ الأناشيد قبل أن يحفظ ملامح القلق في عيون الكبار.
في تلك البيئات، يتشكّل الصوت الداخلي قبل أن يُسمَع الصوت الخارجي. فالطفل الذي يعتاد سماع ضجيج الحرب أو أخبار الانقسام، يكتشف باكراً أن الصمت امتلاءٌ مكبوت.
كان يقولها ببساطة تشبه بساطة قلوب الأمّهات في فلسطين: (رمضان في العراق غير)، ولا تُخفي هذه البساطة كلّ هذه البحّة التي ترافق حنجرته، وكأنّ الشهر هناك لا يُصام فقط، بل يُعاش بطقوس الذاكرة والحنين.
حتى السحور لم يكن مجرّد وجبة، نعم، فقد كان طقساً كاملاً، تختلط فيه رائحة الخبز بدفء العائلة وصوت الليل وهو يتهيّأ للفجر.
ومن هذا الصمت تحديداً، تنبت الحساسية الفنية. لأن الفن، في جوهره، آلية نجاة.
هو محاولةٌ لإعادة ترتيب الفوضى عبر النغم، ولتهذيب الخوف عبر الكلمة.
عاش ما عاشه الفلّاح حين يتعلّق بالأرض، وما عاشه الراعي حين يتعلّم الصبر من خطى القطيع، فكبر وهو يعرف قيمة التعب قبل قيمة الكلام.
لم يتبرّم من تلك المراحل، حملها معه باعتزاز، كأنها صنعت ظهره الصلب وقلبه الراضي.
كان ممتنّاً لكل ما مرّ به، لأن الحياة—برغم قسوتها—علّمته أن الامتنان شكلٌ آخر من أشكال النجاة.
الشباب: البحث عن الذات وسط الفوضى
إذا كانت الطفولة زمن التشكّل الصامت، فإن الشباب زمن الانفجار بالأسئلة. هنا يبدأ الصراع بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. تحدّث العزاوي عن شغفه المبكر بالإنشاد، وعن اختياره لطريقٍ فنيٍّ يحمل رسالة. غير أن السؤال الفلسفي الأعمق يظل قائماً: هل يختار الإنسان صوته، أم أن صوته هو الذي يختاره؟
في المجتمعات التي تعيش أزماتٍ متكرّرة، نرى نحن أن الفن أكثر من هواية؛ يصبح موقفاً أخلاقياً. أن تنشد في زمن الانقسام يعني أنك تحاول ترميم شيءٍ مكسور في الوعي الجمعي. أن تختار الكلمة الروحية في مناخٍ يغلب عليه الصخب، يعني أنك تنحاز إلى اللطف في وجه القسوة.
الشباب هو زمن الجرأة، لكنه أيضاً زمن الشكّ. وكل فنانٍ حقيقي يمرّ بلحظة مفصلية يسأل فيها نفسه: هل أمضي في طريقٍ يرضي الناس أم طريقٍ يرضي ضميري؟ الفرق بين الطريقين ليس في الطول فقط، ولكن في الثمن.
ومن خلال حديثه، بدا أن انحيازه كان واضحاً: المعنى قبل الضجيج، الرسالة قبل الانتشار. وهذا الاختيار ليس بطولياً بقدر ما هو شاق؛ لأنه يفرض على صاحبه أن يتحمّل بطء النتائج، وأن يقاوم إغراء الشهرة السريعة.
الامتحان الأكبر: السفر إلى مكة عام 2002
من أكثر اللحظات رمزيةً في حديثه كانت قصة دخوله مكة المكرمة عام 2002، في وقتٍ كانت العلاقات السياسية بين العراق والسعودية متوترة. هنا تتجلّى المفارقة الكبرى: السياسة تبني الجدران، بينما الروح تبحث عن أبواب.
السفر كان أكبر من أن يكون مجرّد انتقالٍ جغرافي، نعم، أشبه بعبور وجودي من واقعٍ مثقّلٍ بالقيود إلى فضاءٍ روحيٍّ مفتوح. أن يقف إنسانٌ جاء من بلدٍ مثخنٍ بالجراح أمام الكعبة، يعني أنه يضع تاريخه الشخصي في حضرة المطلق، يدفعه الكلام إلى قول ما يُخفى، رغماً عن كلّ ذلك.
الشهرة: الامتحان الصامت
الشهرة في ظاهرها نعمة، لكنها في باطنها اختبارٌ دقيق. حين يصبح الصوت معروفاً، يصبح صاحبه مسؤولاً عن كل كلمة، وكل انفعال، وكل موقف.
من خلال حديثه، لم يتعامل العزاوي مع شهرته بوصفها انتصاراً شخصياً، وإنما بوصفها أمانة. وهذا التحوّل في الرؤية يغيّر طبيعة العلاقة مع الفن.
النضج: التصالح مع الجراح
في نبرة حديثه، يمكن تلمّس مرحلة النضج؛ حيث لا يعود الإنسان مشغولاً بإثبات ذاته، ولكن بفهمها. فالنضج ليس اختفاء الجراح، وإنّما التوقف عن إنكارها.
الكلمة كرسالة: عندما يصبح الفن صلاة
الكلمة، في رؤيته، ليست أداة تعبيرٍ محايدة، هي مسؤولية أخلاقية يحملها على عاتقه. فالفن، حين ينفصل عن القيم، يتحوّل إلى ضجيجٍ جميل. لكن حين يرتبط بالمعنى، يصبح صلاةً بصيغةٍ أخرى.
الرحلة التي لا تنتهي
في نهاية المطاف، لا يُقاس الإنسان بعدد سنواته، ولا بعدد أعماله، يُقاس بقدرته على تحويل الألم إلى معنى، والصوت إلى رسالة، والتجربة إلى نورٍ خافتٍ يهدي غيره في العتمة.
وهكذا، فإن المراحل التي مرّ بها لم تكن تواريخ فقط، كانت تحوّلاتٍ داخليةً عميقة: من طفلٍ يتشكّل في صمت، إلى شابٍ يبحث عن ذاته، إلى رجلٍ يقف في حضرة المقدّس، إلى فنانٍ يدرك أن أعظم نجاحٍ هو أن يبقى إنساناً.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
