العرب في بريطانيا | وقفة من نبي الله لوط عليه السلام

1447 شوال 4 | 23 مارس 2026

وقفة من نبي الله لوط عليه السلام

وقفة من نبي الله لوط عليه السلام
عادل يوسف March 23, 2026
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

﴿قالَ لَو أَنَّ لي بِكُم قُوَّةً أَو آوي إِلى رُكنٍ شَديدٍ﴾ (سورة هود: الآية ٨٠)

في اللحظة التي حُوصر فيها نبي الله لوط عليه السلام، من قومه الذين جاءوا يُهرعون إليه، ويراودونه عن ضيوفه. أطلق زفرةً تنمي عن حالة العجز التي وصل إليها، إذ إن الأمر الوحيد الذي تمناه وهو في تلكم الحال: أن تكون له عشيرة يأوي إليها، وبيئة حسنة تُدافع عنه.

وحتى نَعِي أهمية الموضوع، حتى النبي عليه الصلاة والسلام في بداية دعوته زمن الاستضعاف، كانت حمايته -بعد الله- عند جده أبي طالب، وبعد موته وجد ضالته عليه السلام عند الأنصار في المدينة.

ومع قِصر المدة التي قضاها عليه الصلاة والسلام في المدينة مقارنةً بمكة، فإنها كانت حياة حافلة بالإنجازات والانتصارات، ومنها -أي المدينة- على صِغرها، شعّ نور الإسلام، وانتشر حاملوه إلى العالم فاتحين، ومبلغين رسالته.

حتى إن أسماء بنت عُميس رضي الله عنها، ذكرت ما للبيئة من أثر مهم وقوي على الإنسان -وقد هاجرت إلى الحبشة وبقيت هنالك فترةً من الزمن-، لما قال لها عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نحن أحق برسول الله منكم، سبقناكم بالهجرة.

فقالت: كلا، لقد كنتم مع رسول الله يُطعم جائعكم، ويُعلم جاهلكم، أما نحن فكُنّا في ديار البُعداء البُغضاء، نُؤذى ونُخاف.

ومما يظهر من كُتب التاريخ ومعاينة أطياف البشر، أن البيئة خافضةٌ رافعة؛ فمنها ما ترفعك وتحتفي بك، ومنها ما تهوي بك إلى مكان سحيق.

من الناس من لا يفتأ يُذكّرك بعشيرته وناسه، وأنه ينتمي إلى الجماعة الفلانية والحزب العلّاني، وقد تبرق أساريره وهو يحدثك عن إنجازاتهم، وعظيم فضلهم عليه -بعد الله سبحانه وتعالى-، وفي المقابل تجد من يبحث عن أقرب فرصة يتنصل بها عن بيئته التي كانت وبالاً عليه في ماضيه، وخلّفت له في صِغَره ندوباً لا تزول.

فلا في وصلهم لاقيت سعداً

ولا في هجرهم ذهب المُصابُ

مع أني لا أومن بالقوميات ولا الأوطان المستحدثة للعالم الإسلامي، فإني لا أبرحُ أُردد بزهوٍ مقالة الكاتب الكبير نجيب محفوظ لما لخّص البيئة الحسنة وأثرها على الفرد، فقال: الوطن هو المكان الذي تنتهي فيه كل محاولات المرء للهروب.

لا أُخفيكم سراً أني لم أَعِ أبعاد هذه العبارة، حتى وطأت قدماي بلاد بني الأصفر، عندها فهمت ما معنى أن تسكن النفس، ويرتاح الخاطر، وتضرب الروح أوتادها على الأرض، مطلقةً صيحة يسمعها كل أحرار العالم: وعند الصباح يحمد القوم السُّرى.

بل إنّ منظمة الصحة العالمية ذكرت تعريفاً أخّاذاً للصحة، من شأنه أن يُعيد لك صياغة الأشياء من حولك: الصحة هي جودة الحياة وليس الخلو من المرض.

وكأن التعريف يلفت النظر إلى الأمراض والبلايا التي لا تُرى بالعين المجردة ولا يأبه لها أحد.

بعبارة أخرى أنت إذا صحوت من نومك، ثم التفتّ إلى من حولك ببصرك ولم يلتفت إليهم قلبك، فأنت بحسَب التعريف مريض، ثم ذهبت إلى عملك لا لأنك تجد فيه ذاتك، بل ليطول أمد بقائك في هذا الكوكب وحسب، فأنت بحسب التعريف مريض أيضاً، وفي المساء أخذت مقعدك المعتاد في المقهى لا لأن روحك تهفو إلى حديث من تُجالسهم، بل لتزجية الوقت وملء ساعات الفراغ قبل أن يحين موعد النوم، فأنت مريض كذلك.

وقد أشارت إلى المعنى ذاته الكاتبة الأنيقة غادة السمّان في تأملاتها: أنا ممتنة لكثرة الأطباق التي أغسلها؛ لأنها تُخبرني بأنني لست وحيدة.

البيئة الحسنة تُساندك، وترفعك، وتُخرج أفضل ما فيك، والبيئة السيئة تقتلك، وتستنزفك، وتدمر كل مواطن الإبداع فيك.


 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا