العرب في بريطانيا | هل نفهم التديّن حقًا؟

1447 رمضان 14 | 03 مارس 2026

هل نفهم التديّن حقًا؟

هل نفهم التديّن حقًا؟
عدنان حميدان March 3, 2026
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

أكتب هذه السطور في رمضان…

وأعلم أن بعض العبارات قد تُلامس مواضع حسّاسة، وربما بدت قاسية. فإن أصابت أحدًا بحدّتها، فليعلم أن القصد ليس جرحًا، بل كشفًا؛ وليس اتهامًا، بل مراجعةً نحتاجها جميعًا، وأولنا أنا.

رمضان ليس شهر محاكمة الآخرين، وإنما شهر مساءلة النفس. هو زمنٌ نخفض فيه ضجيج العالم كي نصغي إلى ارتجاف الضمير. غير أن الضجيج – في أحيان كثيرة – لا يأتي من الخارج، بل يسكن أعماقنا؛ يتخفّى في تبريراتنا، ويتزيّن بأسماءٍ براقة.

أعرف رجلًا – وربما نعرفه جميعًا بأسماء مختلفة – يؤخّر الصلاة في بيته لأن مباراة كرة القدم بلغت ذروتها. يحدّق في الساعة مترقبًا صافرة الاستراحة، فيؤدي الفريضة مسرعًا، كأنها فقرة عابرة بين إعلانين. لكنه في عمله الحكومي يُطيل الوضوء، ويُطيل السنن، ويُطيل الغياب… حتى تكاد الصلاة تمتد ساعة أو تزيد. ثم يرفع كفّيه يسأل الله الرزق الحلال.

أيّ رزقٍ نرجوه ونحن نمزج الإخلاص بالانتقائية، ونختار من الدين ما يوافق أهواءنا ويصون صورتنا؟

وأعرف آخر يتقدّم الصفوف، ويجوّد التلاوة، ويرتّل: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} بصوتٍ تخشع له القلوب. لكن حين يطرق بابه شاب مستقيم طالبًا يد ابنته، يردّه لأنه “ليس من القبيلة”.

كيف خرجت الآية من لسانه، ولم تعبر المسافة القصيرة إلى قلبه؟ وأيُّ تقوى تلك التي تتكسّر عند عتبة العُرف؟

وثالثٌ يتنقّل بين التجار، يطلب تغيير بلد المنشأ: ما صُنع في الصين يُكتب عليه “صنع في فرنسا”. يبرر فعلته بأنها “حكمة السوق”، وأن الناس لا تشتري إلا بالأوهام. فإذا جلس إلى مائدته قال متشدّدًا: لا آكل إلا حلالًا.
كأن الحلال يُختصر في طبق، ولا يمتد إلى صدق المعاملة؛ كأن الطهارة شأنُ معدة، لا شأنُ ضمير.

ورابعٌ ضاق بسيارته، فاصطنع حادثًا يُتلفها. دفعت شركة التأمين قيمة شبه جديدة، وجاء شاهد زور يُثبّت الرواية. وحين استلم المركبة الجديدة، قرأ عليها، وعلّق مسبحة، ووضع آية الكرسي في مقدّمتها.

نُحصّن الحديد بالآيات، ونترك الضمائر عاريةً من الصدق.

وخامسٌ جمع أموال الناس باسم “المشروع الحلال”. في البدايات كان الحديث عن البركة يملأ المجالس، ومع أول أرباحٍ تبدّلت السيارة، وتغيّر الأثاث، وامتدت العقارات. أما الشركاء فحظّهم وعود مؤجلة. فإذا انقلب السوق، اختفى الرجل بلا اعتذار، بلا مواجهة، بلا تحمّل مسؤولية.

كانت البركة شعارًا في الافتتاح، وغابت الأمانة ساعة الامتحان.

وأعرف من يضحك مع نساء الأرض جميعًا إلا زوجته وبناته. في البيت عبوسٌ غليظ، يتقن دور الغيور الحريص، ويطالب بالكمال من أقرب الناس إليه، بينما يمنح الآخرين وجهًا طلقًا وحديثًا رقيقًا.

أيّ تديّنٍ هذا الذي يزهر خارج البيت ويذبل داخله؟

ومن يخوض في أعراض الناس، ينسج الحكايات ويزيد عليها، ثم يختم المجلس بقوله: “اللهم لا غيبة”. ومعه حق… فالغيبة – في ميزانه – أهون من الافتراء الذي ابتدعه.

نُجرّد الكلمات من معانيها، ثم نُلبسها ثياب الورع.

قد يقول قائل: هذه حالات فردية، فلماذا التعميم؟

وأقول: لا أملك إحصاءً يُدين مجتمعًا، لكنني – مثلكم – أعيش بين الناس، أرى وأسمع. وما يتكرّر حتى نألفه، لم يعد استثناءً. والخطر ليس في وقوع الخطأ، بل في اعتياده حتى يفقد حساسيته فينا.

الفجوة بين النظرية والتطبيق لم تعد هامشًا صغيرًا، بل صارت مسافةً مقلقة. نتقن لغة الدين، لكننا نتعثّر في أخلاقه. نحسن أداء الشعائر، ونسيء في المعاملات. نُعنى بالمظهر، ونهمل الجوهر.
كأن الدين عند بعضنا طقوسٌ تؤدّى، لا قيمٌ تُعاش.

جاء رمضان ليعيد ترتيب الأولويات.

ليس الصيام امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل انقطاعًا عن الكذب، عن الظلم، عن أكل أموال الناس بالباطل، وليست التراويح عدد ركعات أيضًا، بل أثرًا يُترجم في السوق، في المكتب، في البيت، في الشارع.
العبادة التي لا تنعكس خُلُقًا، تبقى ناقصة الأثر، وإن اكتملت صورتها.

لقد كانت أخلاق التجار المسلمين يومًا دعوةً صامتة. لم تكن البضاعة وحدها ما يُباع، بل الصدق معها. لم يكن الربح خصمًا للقيم، بل ثمرةً لها. حين رأى الناس الأمانة، أحبّوا الدين قبل أن يسمعوا مواعظه.
فالقدوة أبلغ من الخُطبة، والسلوك أصدق من الشعار.

واليوم، والآن، إن أردنا أن نستعيد الصورة، فالبداية ليست في تكثير الكلمات، بل في تصحيح المسار. وليست في تعليق الآيات على الجدران، بل في تثبيتها في الضمائر. ليست في إطالة الدعاء، بل في صدق الوفاء.
فالدين لا يحتاج إلى استعراض، بل إلى استقامة.

أكتب هذا لا لأدين أحدًا، بل لأقول: نحن قادرون على الأفضل.

قادرون أن نجعل رمضان نقطة تحوّل لا محطة عابرة.

قادرون أن نردّ المظالم، أن نعتذر عمّا أخطأنا فيه، أن نعيد الحقوق إلى أهلها، أن نصلح ما أفسدناه.

التديّن ليس صورةً نعرضها للناس، بل حقيقةً نحيا بها حين نُغلق الأبواب.

ليس لحظة خشوعٍ عابرة، بل مسار حياةٍ متصل؛ لا ينفصل فيه المسجد عن السوق، ولا المصحف عن المعاملة، ولا الدعاء عن الضمير.

إن كانت الكلمات موجعة، فلأن الجرح لا يلتئم قبل أن يُنظَّف.

وإن بدت صريحة، فلأن المجاملة كثيرًا ما أخّرت العلاج.

رمضان فرصة…

لا لنبدو صالحين،

بل لنصبح كذلك حقًا.


 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا