العرب في بريطانيا | نصف قرن على يوم الأرض في فلسطين: الذكرى الحية و...

1447 شوال 11 | 30 مارس 2026

نصف قرن على يوم الأرض في فلسطين: الذكرى الحية وترسيخ الهوية الوطنية

نصف قرن على يوم الأرض في فلسطين: الذكرى الحية وترسيخ الهوية الوطنية
سعيد الشيخ March 30, 2026
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

تُمثّل الذكرى الخمسون ليوم الأرض الفلسطيني، الذي شهدته الأرض المحتلة في الثلاثين من آذار 1976، أكثر من مجرد استعادة لحدثٍ تاريخي شهد سقوط ستة شهداء برصاص القوات الإسرائيلية خلال احتجاجات شعبية ضد مصادرة الأراضي الفلسطينية؛ فهي لحظة تأسيسية في الوعي الوطني الفلسطيني، ونقطة تحول مفصلية أعادت صياغة العلاقة بين الإنسان الفلسطيني وأرضه، ورسّخت مفهوم الهُوية الجمعية التي تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.

اندلعت أحداث يوم الأرض في سياق سياسات إسرائيلية ممنهجة استهدفت تفريغ الأرض من أصحابها الشرعيين، عبر المصادرة الممنهجة والقمع والتهميش، ولا سيما في مناطق الجليل والمثلث. لكن الرد الفلسطيني جاء هذه المرة مختلفًا؛ إذ لم يكن مجرد احتجاج موضعي، بل إضرابًا عامًا شاملًا، ومظاهرات جماهيرية حاشدة، عبّرت عن وعي سياسي متقدم، وإدراك عميق بأن الأرض ليست فقط مصدر رزق، بل هي جوهر الهُوية الوطنية الفلسطينية، وركيزة البقاء، رغم سنوات الإحتلال الطويلة.

وتكمن الأهمية الكبرى لهذه المناسبة في أنها شكّلت تعبيرًا جماعيًا مُبكرًا ومنظمًا وواضحًا لفلسطينيي الداخل عن انتمائهم الوطني الفلسطيني الأصيل، بعد عقود من محاولات العزل والتهميش. فقد نجح يوم الأرض في كسر الحواجز النفسية والسياسية التي فرضتها النكبة، وأعاد ربط الفلسطيني داخل أراضي 1948 بعمقه الوطني، مؤكدًا أن الانتماء لا تحدّه حدود، ولا تُلغيه سياسات التفرقة الممنهجة.

ومع مرور الزمن، تحوّل يوم الأرض إلى رمز وطني جامع، لا يقتصر إحياؤه على الفلسطينيين في الداخل، بل يمتد إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، بل وإلى مخيمات اللجوء في الشتات، والى التجمعات الفلسطينية في أصقاع الأرض كافة. ففي هذا اليوم، تتوحد المشاعر، وتُستعاد الذاكرة، وتُرفع الشعارات الوطنية، في تعبير حي عن وحدة الشعب الفلسطيني رغم التشتت الجغرافي والانقسام السياسي الذي يُضعف من تلاحم الشعب الفلسطيني، ونتمنى أن نشهد نهايته قريبا؛ أليس فيكم رجلٌ رشيد؟! وهنا تتجلى قوة هذه المناسبة، ليس في بعدها التاريخي فقط، بل في قدرتها المستمرة على إنتاج معنى مشترك، وهُوية جامعة.

لقد أسهم يوم الأرض، عبر العقود، في ترسيخ سردية وطنية مشتركة، تُعيد التأكيد على مركزية الأرض في القضية الفلسطينية. فالأرض، في الوجدان الفلسطيني، ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي رمز للكرامة، ووعاء للذاكرة، ومجال للانتماء. ومن خلال إحياء هذه الذكرى سنويًا، تُنقَل هذه القيم من جيل إلى جيل، في عملية تراكمية تُعزز من صلابة الهُوية، وتُحصّنها ضد محاولات التفكيك.

كما أسهمت هذه المناسبة إسهامًا بارزًا في تعزيز التلاحم بين مكونات الشعب الفلسطيني المختلفة. ففي وقتٍ سعت فيه إسرائيل إلى تفتيت الفلسطينيين إلى كيانات منفصلة -داخل الخط الأخضر، في الضفة، وفي غزة، وفي الشتات- جاء يوم الأرض ليُعيد التأكيد على وحدة المصير. فالمظاهرات التي تخرج في مدن الداخل، والفعاليات التي ترافقها في أماكن وجود الفلسطينيين في مشارق الأرض ومغاربها تجد صداها في مسيرات الضفة، وهتافات غزة، وفعاليات الشتات، في مشهد يعكس وحدة الشعور والانتماء.

في الذكرى الخمسين، تزداد الحاجة إلى استحضار هذه المعاني، في ظل واقع سياسي معقد، يشهد انقسامات داخلية، وضغوطًا خارجية، ومحاولات مستمرة لإعادة تشكيل الوعي الوطني. وهنا، تبرز أهمية يوم الأرض كأداة لإعادة بناء الإجماع الوطني، وتذكير الجميع بالثوابت المشتركة التي لا يمكن التنازل عنها، وفي مقدمتها الأرض.

كما أن هذه المناسبة تُعيد الاعتبار لدور العمل الشعبي السلمي، الذي شكّل جوهر أحداث 1976. ففي وقتٍ تتعدد فيه أشكال النضال، يبقى الحراك الجماهيري السلمي؛ إلى جانب جميع أشكال المقاومة الأخرى، أحد أهم أدوات التأثير، وأكثرها قدرة على تحقيق التغيير، وبخاصة عندما يكون مدعومًا بوعي جماعي، وإرادة موحدة.

إن الذكرى الخمسين ليوم الأرض ليست فقط مناسبة لإحياء الماضي، بل هي أيضًا دعوة للتفكير في المستقبل. فهي تُحفّز على إعادة تقييم المسار، وتعزيز عناصر القوة، وفي مقدمتها الوحدة، والوعي، والارتباط بالأرض. كما تُذكّر بأن التحديات، مهما تعاظمت، يمكن مواجهتها بإرادة جماعية، تستند إلى تاريخ من الصمود، وتجربة غنية بالدروس.

إن يوم الأرض، بعد خمسين عامًا، لا يزال يحمل الرسالة نفسها: أن الأرض هي الهُوية، وأن الدفاع عنها هو دفاع عن الوجود. ويبقى هذا اليوم واحدًا من أهم المناسبات التي تجمع الفلسطينيين، وتُعيد تذكيرهم بأنهم شعب واحد، بقضية واحدة، ومصير مشترك. ومن هنا، فإن الاحتفال بهذه المناسبة، وتطوير أشكال إحيائها، يُعد جزءًا لا يتجزأ من معركة الحفاظ على الهُوية، وصون الذاكرة، وبناء المستقبل.


 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا