العرب في بريطانيا | من قلب الحصار إلى اتساع العالم: كيف تتقدّم قضاي...

1447 رمضان 29 | 18 مارس 2026

من قلب الحصار إلى اتساع العالم: كيف تتقدّم قضايانا رغم كل هذا الخراب؟

من قلب الحصار إلى اتساع العالم: كيف تتقدّم قضايانا رغم كل هذا الخراب؟
عدنان حميدان March 18, 2026
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

في لحظاتٍ كهذه، حيث تتكاثف الأزمات وتتشابك الجبهات، يبدو المشهد وكأنه يسير في اتجاه واحد: مزيد من القهر، ومزيد من الانكسار. إغلاق غير مسبوق للمسجد الأقصى، حرب مفتوحة بعد العدوان الإسرائيلي–الأمريكي على إيران، اتساع رقعة الصراع لتطال دولًا عربية تُستباح أراضيها، استمرار خنق غزة حتى حافة الموت، وتسارع وتيرة التهويد والتطهير العرقي في الضفة والقدس.

وعلى هامش هذه الصورة الثقيلة، تتواصل فصول أخرى لا تقل قسوة: السودان الذي يُدفع نحو مزيد من التفكك، خلافات عربية تُدار بوقود خارجي، وسجون تمتلئ بآلاف المعتقلين الذين يدفعون ثمن كلمة أو موقف.

لو قرأنا هذا المشهد بعينٍ سريعة، سنصل إلى خلاصة جاهزة: نحن أمام تراجع شامل.

لكن القراءة المتأنية، الأعمق، تقول شيئًا مختلفًا تمامًا.

ما نراه اليوم ليس مجرد تدهور، بل هو لحظة انكشاف كبرى. انكشاف يفضح موازين القوى، ويُعرّي سرديات طالما فُرضت على العالم، ويفتح—رغم كل الألم—مساحات لم تكن متاحة من قبل.

التاريخ لا يتحرك في خط مستقيم، ولا يُقاس بلحظة واحدة. ما يبدو انهيارًا في الظاهر، قد يكون في العمق إعادة تشكّل.

خذ فلسطين مثالًا

في الوقت الذي تتعرض فيه غزة لخنق غير مسبوق، وتُستباح فيه الضفة والقدس بمشاريع تهويد ممنهجة، تتقدم الرواية الفلسطينية عالميًا بشكل لافت. لم يعد من السهل تمرير الرواية الإسرائيلية كما كان يحدث لعقود. هناك تغير حقيقي في الوعي العالمي، يتجلى في الإعلام، والجامعات، والبرلمانات، وحتى في الشارع الغربي.

هذا التحول لم يأتِ نتيجة حدث واحد، ولا بسبب حملة عابرة، بل هو حصيلة سنوات طويلة من العمل التراكمي. نشطاء ظلوا يطرقون الأبواب المغلقة، وأكاديميون كتبوا في أزمنة لم يكن أحد يسمعهم، وأصوات دفعت أثمانًا شخصية ومهنية فقط لأنها أصرت على قول الحقيقة.

اليوم، هذا التراكم بدأ يؤتي ثماره

نرى ذلك في موجات التعاطف الشعبي غير المسبوقة، والتي لم تعد مجرد تعبير عاطفي، بل تحولت إلى ضغط حقيقي في بعض الدول. ونراه أيضًا في الإنجازات القضائية والحقوقية التي حققها متضامنون مع فلسطين، حيث بدأت المحاكم تنظر في قضايا كانت تُعد حتى وقت قريب خارج النقاش.

هذه ليست انتصارات نهائية، لكنها مؤشرات على تحول عميق في ميزان الوعي، وهو التحول الذي يسبق—غالبًا—أي تغيير سياسي.

في المقابل، ما نشهده من تصعيد عسكري واتساع رقعة الحروب، ليس فقط تعبيرًا عن قوة، بل قد يكون أيضًا انعكاسًا لحالة قلق من هذا التحول المتنامي. فالقوى التي تشعر بأن السردية لم تعد في صالحها، تميل إلى استخدام أدوات أكثر خشونة، في محاولة لإعادة فرض الواقع بالقوة.

لكن المشكلة في هذا النوع من الرد، أنه قد يحقق نتائج سريعة، لكنه يسرّع في الوقت نفسه من تآكل الشرعية على المدى الطويل.

وهنا تحديدًا، تتقاطع لحظتان: لحظة القوة المادية في ذروتها، ولحظة التراجع الأخلاقي في أقصاه.

في هذه المساحة بين اللحظتين، تبدأ التحولات الكبرى

الأمر لا يقتصر على الساحة الدولية فقط، بل يمتد إلى داخل مجتمعاتنا.

رغم كل الإحباطات، نرى ملامح جيل مختلف يتشكل. جيل لم يعد يكتفي بتلقي الرواية، بل يسعى إلى إنتاجها. يستخدم أدوات جديدة، يتجاوز القوالب التقليدية، ويبحث عن تأثير حقيقي، لا مجرد حضور رمزي.

في الجامعات، في الفضاء الرقمي، في المبادرات المجتمعية، وحتى في أشكال التعبير الثقافي، هناك طاقة واضحة لا يمكن تجاهلها. والأهم من ذلك، أن هذا الجيل لا يبدو مستعدًا للقبول بالهزيمة كأمر واقع.

حتى الأطفال، الذين كان يُفترض أن يكونوا أول ضحايا هذا الواقع، نراهم يحملون وعيًا وانتماءً لافتين. قد لا يملكون أدوات التغيير الآن، لكنهم بالتأكيد يملكون بذوره.

وهنا تكمن النقطة التي يغفل عنها كثيرون: أن التغيير الحقيقي لا يبدأ عندما تتغير موازين القوة، بل عندما يتغير وعي الناس.

هذا التغير في الوعي هو ما نراه اليوم، بصمت، لكنه يتسع

قد لا يوقف حربًا فورًا، ولا يرفع حصارًا غدًا، لكنه يعيد تشكيل البيئة التي تُصنع فيها القرارات. ومع الوقت، يصبح هذا التغيير هو العامل الحاسم.

لهذا، فإن النظر إلى الواقع من زاوية واحدة فقط—زاوية الخسارة المباشرة—يُفقدنا القدرة على رؤية الصورة الكاملة.

نعم، نحن أمام تحديات جسيمة، وربما غير مسبوقة.

ونعم، الكلفة الإنسانية والسياسية باهظة إلى حد يصعب احتماله.

لكن، في الوقت نفسه، هناك مسار آخر يتحرك بالتوازي. مسار بطيء، تراكمي، لا يُحدث ضجيجًا، لكنه يعيد تشكيل قواعد اللعبة.

هذا المسار هو ما يجعل الحديث عن الأمل قراءة واقعية.

ليس الأمل هنا شعورًا عاطفيًا، ولكن استنتاج مبني على معطيات:

رواية تتقدم، ووعي يتسع، وجيل يتشكل، ومساحات كانت مغلقة بدأت تُفتح.

التاريخ لا يُكتب فقط في ساحات المعارك، بل يُكتب أيضًا في العقول، وفي اللغة، وفي قدرة الناس على إعادة تعريف ما هو عادل وما هو ظالم.

ولهذا، فإن اللحظة التي نعيشها اليوم، بكل ما فيها من ألم، قد تكون واحدة من تلك اللحظات التي يُعاد فيها رسم المستقبل، لا في العلن، بل في العمق.

قد لا نرى النتائج فورًا، وقد يبدو الطريق أطول مما نحتمل، لكن المؤكد أن ما يُزرع اليوم، في هذا الزمن القاسي، لن يضيع.

لأن القضايا العادلة لا تنتصر فقط عندما تملك القوة، تنتصر عندما تنجح في تغيير وعي العالم بها.

وهذا… بدأ يحدث بالفعل.


 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

const GEMINI_KEY = "AIzaSyCMpJj1D41QmucE85rYxEva_IS5E8SvloU"; // ← ضع مفتاحك هنا