العرب في بريطانيا | من المنتصر ومن المهزوم… ترامب أم إيران؟

1447 شوال 20 | 08 أبريل 2026

من المنتصر ومن المهزوم… ترامب أم إيران؟

من المنتصر ومن المهزوم… ترامب أم إيران؟
عدنان حميدان April 8, 2026
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

إذا صحّت قراءات الخبراء والمحللين في الساعات الأخيرة، فإن أول ما ينبغي فعله هو التخفف من ثنائية “المنتصر والمهزوم” بوصفها أداة تحليلية صالحة لعصور سابقة أكثر منها لعالم اليوم. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم بضربة قاضية تنهي الطرف الآخر، بل باتت تُقاس بميزان أكثر تعقيداً: من صمد؟ ومن حقق أهدافه المعلنة؟ ومن اضطر لتعديل سقف توقعاته تحت ضغط الواقع؟

في هذا الإطار، خاض دونالد ترامب مواجهة صاخبة، رفع فيها سقف التهديد إلى حد غير مسبوق، مقدّماً نفسه بوصفه صاحب القدرة على “إنهاء الملف الإيراني” دفعة واحدة. غير أن ما انتهت إليه الأمور عند لحظة “وقف إطلاق النار” لا يعكس تلك الوعود. لم يسقط النظام الإيراني، ولم تُستبدل قيادته، ولم يُمحَ البرنامج النووي من الوجود كما كان يُصوَّر في الخطاب السياسي والإعلامي. بل إن طهران ما تزال تحتفظ ببنيتها السياسية الأساسية، وبقدرتها على إعادة ترتيب أوراقها، ولو تحت ضغط الخسائر.

لكن في المقابل، لا يمكن بأي حال من الأحوال تصوير ما جرى على أنه “انتصار إيراني” صافٍ. فإيران دفعت ثمناً باهظاً، ربما هو الأعلى منذ سنوات طويلة. البنية التحتية تعرّضت لضربات موجعة، وسلسلة الاغتيالات التي طالت شخصيات وازنة في هرم السلطة تركت آثاراً عميقة على المستوى السياسي والأمني. هذه ليست خسائر هامشية يمكن تجاوزها بسهولة، بل ندوب ستبقى حاضرة في حسابات طهران لسنوات قادمة.

ومع ذلك، تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها في أن هذه الخسائر لم تُترجم إلى انهيار داخلي أو تفكك سياسي، بل على العكس، أظهرت مؤشرات على “التفاف داخلي” حول القيادة، وهو سلوك مألوف في المجتمعات التي تتعرض لتهديد خارجي مباشر. فبدلاً من أن تؤدي الضربات إلى تفجير الداخل، أسهمت في إعادة إنتاج قدر من التماسك، ولو مؤقتًا، وهو ما يُعد بحد ذاته عاملاً مؤثراً في إعادة تعريف نتائج المواجهة.

هنا تحديداً، تظهر نقطة مفصلية لا يمكن القفز عنها: إيران أثبتت، عملياً لا خطابياً، أنها ليست لقمة سائغة يمكن ابتلاعها في جولة واحدة، وليست ساحة رخوة يمكن إسقاطها كما يُروَّج في بعض المقارنات السطحية. الفارق هنا ليس مجرد قدرات عسكرية، بل بنية دولة، وشبكة نفوذ، وتجربة طويلة في إدارة الأزمات. من يراهن على تكرار سيناريوهات دول أخرى -كـفنزويلا مثلاً- يتجاهل اختلاف السياقات والبيئات والقدرات. فطهران، رغم كل ما أصابها، أثبتت أنها قادرة على امتصاص الضربة، ثم الرد بما يعيد رسم خطوط الاشتباك.

أما التحول الأبرز، الذي يمكن اعتباره نقطة مفصلية في قراءة ما جرى، فيتمثل في معادلة “الردع”. إذ أثبتت طهران، للمرة الأولى بهذا الوضوح، قدرتها على توسيع دائرة الاشتباك، والوصول إلى أهداف خارج حدودها المباشرة، ويشمل ذلك قواعد عسكرية في دول الجوار، فضلاً عن ضرب العمق في تل أبيب. هذا التطور لم يكن مجرد حدث عسكري عابر، بل رسالة سياسية بامتياز: أن تكلفة المواجهة لن تبقى محصورة داخل الجغرافيا الإيرانية.

الأهم من ذلك أن هذا الواقع فرض على إسرائيل، للمرة الأولى بهذا القدر من الوضوح، الاعتراف بحجم الخسائر البشرية والمادية الناتجة عن هذه الضربات، وهو ما شكّل تحولاً في الخطاب الرسمي، الذي اعتاد التقليل من آثار مثل هذه الهجمات. هذا الاعتراف، بحد ذاته، يعكس حجم التغير في قواعد الاشتباك، ويؤشر إلى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تختلف عمّا سبقها.

في ضوء ذلك كله، يصبح من الصعب تبسيط المشهد إلى معادلة “رابح وخاسر”. فـدونالد ترامب لم يحقق أهدافه السياسية الكبرى التي بنى عليها خطابه، ولم يتمكن من فرض شروطه كما أراد. وفي الوقت ذاته، لم تخرج إيران من هذه المواجهة دون أثمان قاسية ستثقل كاهلها داخلياً وخارجياً.

ما نعيشه اليوم هو انتقال واضح من منطق “الحسم” إلى منطق “الاستنزاف بالنقاط”. لم يعد الهدف إسقاط الخصم بالكامل، بل إيلامه بما يكفي لدفعه إلى إعادة الحسابات. إنها حروب تُدار على إيقاع الضربات المحدودة ذات الأثر العميق، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي أكثر من سعيه إلى إنهاء الصراع نهائياً.

ومن هنا، تكتسب “هدنة الأسبوعين” أهمية مضاعفة. فهي ليست مجرد توقف مؤقت لإطلاق النار، بل مساحة اختبار حقيقية لنوايا الأطراف كافة. هل نحن أمام استراحة محارب يلتقط فيها الجميع أنفاسهم قبل جولة جديدة؟ أم أن ما جرى كان كافياً لدفع الأطراف إلى النزول عن الشجرة، والبحث عن مخارج تحفظ ماء الوجه دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع؟

الإجابة لا تزال معلّقة، لكن المؤكد أن ما بعد هذه الجولة لن يكون كما قبلها. فحدود القوة أعيد رسمها، وقواعد الاشتباك تغيّرت، وسقف التوقعات انخفض لدى الجميع. وفي عالم كهذا، قد لا يكون السؤال الأهم: من انتصر؟ بل: من تعلّم أكثر، ومن بات أكثر حذراً في الجولة القادمة.


 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا