العرب في بريطانيا | لماذا تقدمت رواندا وتأخرنا نحن؟

1447 رمضان 19 | 08 مارس 2026

لماذا تقدمت رواندا وتأخرنا نحن؟

لماذا تقدمت رواندا وتأخرنا نحن؟
عدنان حميدان March 8, 2026
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

في مطلع التسعينيات، كانت “رواندا” مرادفاً للجحيم الأرضي؛ رائحة الموت تزكم الأنوف، ومئذنة الكنيسة والمسجد تشهدان على ذبح الجار لجاره بالمنجل (المواد الحادة) لمجرد اختلاف في “عِرقية” وهمية غذّاها الاستعمار بين “الهوتو” و”التوتسي”. مئة يومٍ فقط كانت كفيلة بإبادة نحو مليون إنسان. حينها، ظنّ العالم أن هذه البقعة من إفريقيا انتهت إلى الأبد.

اليوم -ونحن في عام 2026- نقف أمام “المعجزة الإفريقية”؛ رواندا التي أصبحت من أسرع اقتصادات العالم نمواً، ونظافة شوارع كيجالي التي تضاهي جنيف، ورقمنة المعاملات التي تسبق دولاً أوروبية. وفي المقابل، نلتفت إلى خريطتنا العربية “المنكوبة”، فنجد أننا ما زلنا عالقين في “فخ السكاكين الصدئة”. فلماذا نجحوا هم حيث فشلنا نحن؟

عواصم الرماد.. والخلاف الذي لا ينتهي

بينما كان الروانديون يضعون دستوراً يجرّم التفرقة العرقية ويحظر السؤال عن “الأصل”، كان العراق يغرق في محاصصات طائفية لم تُنتِج إلا دولة معطلة رغم ثرواتها الهائلة. أما في السودان، فالكارثة تتجاوز الوصف؛ حيث تذبح “العصبيات” العسكرية والقبلية ما تبقى من رئة للحياة. وفي المغرب العربي، نرى الجرح المفتوح بين المغرب والجزائر، حيث تُهدر المليارات على سباق تسلح وتجييش إعلامي، بينما الشعوب تحلم بفتح حدود أُغلقت بأقفال الكراهية والتشفي وغير ذلك الكثير من الأمثلة.

سيكولوجية “الانتقام” مقابل “التصالح”

السر الرواندي لم يكن في المعونات، بل في قرار شجاع بـ”كسر مرآة الماضي”. اعتمد الروانديون محاكم “الجاجاتشا” (Gacaca)، وهي قضاء شعبي تصالحي اعتمد على المكاشفة ثم المسامحة من أجل البناء.

أما في عالمنا العربي، فنقتات على “التشفي”. إذا سقط خصمٌ لنا، أقمنا الأفراح، وإذا هُزمت طائفة، شمتت الأخرى. نحن نرفض فتح صفحة جديدة لأننا نظن أن “أخذ الحق” لا يكون إلا بمحو الآخر. تحولنا إلى شعوب “انتقامية” بامتياز، يسكننا الماضي ونهرب من المستقبل.

“إسرائيل”.. المغذي الأكبر للتمزق

لا يمكن لأي خبير في الجغرافيا السياسية أن يغفل دور الاحتلال الصهيوني في هذا المشهد السوداوي. رواندا دولة حبيسة لا يحيط بها عدو وجودي يقتات على تفتيتها، أما نحن، فنعيش في قلب “مشروع صهيوني” يعلم يقيناً أن استمراره مرهون ببقاء “سايكس بيكو” ليس على الخرائط فقط، بل داخل العقول والنفوس.

الاحتلال ليس مجرد جيش على الأرض، بل هو منظومة تغذي كل “نزعة انفصالية” وتدعم كل “صراع طائفي”. إنه المستفيد الأول من صراع الجنرالات في السودان، ومن تأجيج الخلاف المغربي الجزائري، ومن تغذية شعور الدروز والأكراد بأنهم مستهدفون. الاحتلال يعرف أن “وحدة المصالح العربية والإسلامية ” هي “النهاية الحتمية” لمشروعه، لذا يبذل الغالي والرخيص ليبقى العربي يرى في أخيه العربي عدواً أخطر من “إسرائيل”.

متى يسير قطارنا؟

رواندا تقدمت لأنها قررت أن “الكرامة” هي المحرك، وأن “المواطنة” هي المشترك الذي يجمع الناس. ونحن تأخرنا لأننا اخترنا “الأنا” المتضخمة، وفضّلنا أن نحكم “خرابة” على أن نكون شركاء في “واحة”.

لن نتقدم خطوة واحدة ما لم نتجاوز عقلية “الثأر”، وما لم ندرك أن عدونا المشترك يضحك بملء فيه وهو يرانا نمزق ثيابنا بأيدينا. رواندا ليست معجزة إلهية، بل هي “إرادة بشرية” قررت أن تعيش، فهل قررنا نحن ذلك، أم أننا أدمنّا العيش في غرف الإنعاش التاريخية؟

آن الأوان لنسأل بصدق: هل سنظل ننتظر “الساعة” ونحن نضيع فرصة تقدمنا، أم سنصنع “ليلة قدرنا” السياسية والاجتماعية ونحن نعيش هذه الليالي المباركة من شهر رمضان؟


 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا