لماذا تخيب الآمال؟
تضيقُ الصدور حين تلتفتُ يميناً وشمالاً فلا تجدُ جزاءً لِكَدّها، وتبيتُ الأرواحُ مجهدةً مستهلكةً كأنها طاحونةٌ تدور في الفراغ تُرضي الزوجةَ وتجتهدُ لبرِّ الأمِّ وتخلصُ في عملِ الوظيفِ، ثم لا ترى إلا وجوهاً عابسةً أو صمتاً لا يشكرُ. وهنا تنكسرُ النفسُ، لا لِقِلّةِ بَذْلِها، بل لِعِلّةِ فَهْمِها.
حقيقة الدار وبذرُ الزارع
إنّ مَن بذرَ الحبَّ في دارِ مَمَرّ وانتظرَ القطافَ فيها كَمَن يحرثُ في البحرِ فالدنيا في شريعةِ الحقِّ هي دارُ زرعٍ لا دارُ حصاد. والزارعُ الذي يكدحُ تحت لهيبِ الشمسِ يعلمُ يقيناً أنَّ عَرَقَهُ لن يتحوّلَ سنابلَ في ليلتِهِ، بل عينه على يومِ النشورِ. فإذا خابت آمالُك في خَلْقِ الله، فاعلم أنَّ الله قد ادخرَ لك طِيبَ الثمرةِ عنده، فما كان للهِ دامَ واتصل، وما كان لغيرهِ انقطعَ وانفصل
ميزانُ الرضا بين الخالقِ والمخلوق
من أعظمِ جِناياتِ المرءِ على نفسِهِ أن يضعَ مفاتيحَ رضاها في جيوبِ البشر فإنْ رَضوا انتعشَ، وإن سخطوا انقبضَ. والبلاغةُ النبويةُ علمتنا أنَّ مَنِ التمسَ رضا اللهِ بسخطِ الناسِ كفاهُ اللهُ مؤونةَ الناسِ. فافعلْ ما تراهُ ديناً وقُربةً، ثم امضِ لِشأنِكَ غيرَ ملتفتٍ لِثنائِهم فقلوبُ العبادِ بين أُصبعينِ من أصابعِ الرحمنِ يُقلبُها كيف يشاء، فلا تطلبِ الثباتَ من ريشةٍ في مهبِّ الريح.
كسرُ الأوثانِ الخفيّة في التوقعات
تخيبُ الآمالُ لأننا أقمنا في قلوبنا أوثاناً من الأماني فظننا أنَّ السعادةَ معقودةٌ بناصيةِ شهادةٍ، أو رهينةُ عقدِ نكاحٍ، أو محبوسةٌ في كُرسيِّ وظيفة. وجعلنا هذه الأسبابَ كأنها أربابٌ تعطي وتمنعُ يقيناً، وغفلنا عن أنَّ السعادةَ رزقٌ يُساقُ، لا معادلةٌ تُحسبُ بالأرقام. فكم من آخذٍ وهو محرومٌ، وكم من ممنوعٍ وهو في عينِ العطاء. إنَّ الفوزَ الحقيقيَّ ليس بـ “الضربةِ القاضيةِ” التي تُغيرُ شقاءَكَ لنعيمٍ بلمحةِ بصر، بل هو في تلك الصبراتِ الصغيرةِ والخطواتِ الثابتةِ نحو الرضا.
التخففُ من أثقالِ البشر
إنَّ من كمالِ فقهِ النفسِ أن تعلمَ أنَّ بعضَ الخَلقِ “مصاصو دماءٍ” للأرواح، مهما صببتَ في أوانيهم من إحسانٍ فإنه يغورُ في تيهِ جحودِهم. والابتعادُ عن مَن يُكلفُ الروحَ فوق طاقتِها ليس عقوقاً للودِّ، بل هو صيانةٌ لِأمانةِ النفسِ التي بين جنبيك. فمن أحبَّ نفسَهُ في اللهِ، أعتقها من رقِّ التوقعاتِ، وجعلَ مرادَهُ موافقاً لِقَدَرِ الله فإنْ جاءت الدنيا فبفضلِ الله، وإن أدبرت فبعَدْلِ الله.
يا صاحبي، إنَّ الدنيا “سجنُ المؤمنِ”، والسجنُ مَهما زُخرفَ فليس بموطنِ قرار. فلا تحزنْ إنْ ضاقتْ بكَ سُبُلُ الرضا في الأرض، فلعلَّ اللهَ أرادَ أن يقطعَ قلبَكَ عن التعلقِ بكلِّ ما سواه، ليُخلصَهُ له وحدَه، فتبصرَ بعينِ اليقينِ أنَّ الخيبةَ في الخَلقِ هي عينُ الظفرِ بالخالق.
اقرأ أيضًا:
- في ذكرى رحيل محمد قطب “الشهيد الحي”
- ستمضي.. فاترك أثر إنسان
- كيف يصنع الأهل قارئًا صغيرًا؟ هنا يبدأ حبّ القراءة
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
