العرب في بريطانيا | ضريبة الثبات في زمن “السيولة” الأخلاقية… هل أنت...

1447 شعبان 29 | 17 فبراير 2026

ضريبة الثبات في زمن “السيولة” الأخلاقية… هل أنت قادر على دفعها؟

WhatsApp Image 2026-02-17 at 10.47.11 AM
عدنان حميدان February 17, 2026

يومًا بعد يوم، تضيق الأرض على أصحاب المبادئ، وتتحوّل الاستقامة من خيارٍ فطريٍّ إلى معركةٍ يوميةٍ تتطلّب ثمناً باهظاً. في عالم يهرولُ وراء “المادية المطلقة”، يجد المتمسكون بالقيم أنفسهم في صراعٍ دائم مع اختبارات أخلاقية عسيرة، حتى أولئك الذين لا ينطلقون من خلفية دينية صرفة، بل يقودهم “بقايا الضمير” وفطرةٌ تأبى الانكسار.

نشهد اليوم ظاهرة “الاغتراب الأخلاقي”، حيث يصبح النجاح المهني مشروطاً بتقديم تنازلات تمس جوهر الكرامة الإنسانية. خذ مثال السيدة التي أثارت العالم بإعلان استقالتها من شركة “OpenAI” (المطورة لتقنية ChatGPT): لم يكن رحيلها بسبب نقص الراتب أو بريق منصب أعلى، بل لأنها رفضت أن تكون جزءاً من “آلةٍ” تقرر استغلال بيانات البشر وخصوصياتهم في خدمة أغراض تجارية غير أخلاقية. آثرت أن تخسر امتيازات يحلم بها الملايين، لتكسب ليلةً تنام فيها قريرة العين، غير مثقلة بذنب “الاستباحة الرقمية”.

وهذا الصراع ليس حكراً على أروقة “وادي السيليكون”، بل يمتد إلى كل زاوية من زوايا عالمنا. فهناك مبدعون ومثقفون قرروا اليوم “تطليق التقنية” جملةً وتفصيلاً: مهندس عبقري يرمي هاتفه الذكي ليهرب إلى كتابة الشعر في قرية نائية، وآخر يترك صخب الاستثمارات ليعتكف في صومعة من القراءة والتأمل. هؤلاء ليسوا مهزومين، بل هم “المتمردون الجدد”، الذين اكتشفوا أن العالم في صورته الحالية لم يعد صالحاً للسكن الآدمي السويّ، فاختاروا الاعتزال والانزواء في “كهوف اختيارية”، هرباً من عالم يطالبك بأن تبيع روحك لتعيش.

إنه “زمن القبض على الجمر”، حيث تفرض عليك المؤسسات الكبرى أن تكون ترساً في آلة بلا قلب، آلة تبرر الوسيلة بالغاية وتجعل من “الربح” إلهاً يُعبد. وهنا تبرز قيمة هؤلاء “المعتزلين”: فهم يذكروننا بأن الإنسان أكبر من وظيفته، وأغلى من بياناته، وأن الانزواء في “صومعة المبادئ” أشرف ألف مرة من التصدر في محافل الزيف.

أولئك الذين يختارون الانسحاب حين تتصادم المهنة مع القيمة هم حائط الصد الأخير أمام تحولنا إلى “روبوتات بيولوجية”. فالحياة المبنية على أنقاض المبادئ حياة خاوية، مهما ارتفعت فيها الرواتب أو تزينت بلقب “المدير التنفيذي”.

عزاؤنا في هؤلاء “المغتربين” أنهم برهنوا على أن النفس الإنسانية لا تزال تملك القدرة على قول “لا” في وجه التغول المادي، وأن “الكهف” الذي يأوي إليه صاحب المبدأ أوسع وأرحب من كل ناطحات السحاب التي تُبنى بصمت الضمائر.

والوجع الأعظم يظهر حين نضع هذه “المثالية الأخلاقية” في ميزان واقع الموظف العربي، في بلاد فتكت بها الأزمات وأكل الفقر من جرف الكرامة. هل يملك ذاك المكدود، الذي يطارد رغيف الخبز بين أنياب الغلاء، رفاهية أن يقول “لا”؟

المقارنة هنا تبدو مجحفة: بينما تستقيل سيدة “OpenAI” وهي تتوسد مدخراتها أو تراهن على عقود بديلة في سوق عالمي مفتوح، يقف الموظف في بلادنا الفقيرة أمام جدار مسدود. الاستقالة عنده ليست مجرد “موقف أخلاقي”، بل قرار “انتحار معيشي” يمتد أثره إلى زوجة تنتظر الدواء وأطفال يحلمون بوجبة عشاء كاملة.

هل يستطيع هذا الإنسان، ولو لمرة واحدة، أن يستشعر “نزوة القدرة” على الانسحاب؟ أن يرمي استقالته في وجه مدير يطالبه بتزوير محضر، أو مؤسسة تقتات على خداع البسطاء؟ الحقيقة المرة أن الثمن غالبًا ما يكون “فوق الاحتمال”. خلف كل “نعم” مُكرهة يطلقها الموظف العربي حكاية قهر، مدارها أن البديل ليس “الكهف” أو “الصومعة”، بل هو الرصيف وضياع المستقبل.

لكن، ورغم قسوة المشهد، يبقى التحدي قائماً: هل نترك “الضرورات التي تبيح المحظورات” تبتلع فطرتنا تماماً؟ عظمة الموقف الأخلاقي تتجلى في أولئك الذين، رغم فقرهم وحاجتهم، يجدون طرقاً للمناورة: قول “لا” مخفف، أو البحث عن مخرجٍ لا يكسر المبدأ ولا يقطع الرزق.

لا نلوم من سحقته الظروف فأذعن، لكننا ننحني إجلالاً لمن “جاع ولم يأكل بثديي مبادئه”. ففي تلك البلاد الفقيرة، تصبح الاستقالة من أجل القيمة عملاً “فدائياً” يفوق في بطولته كل استقالات أثرياء التكنولوجيا، لأنها استقالة من الحياة لتعيش فيها روح الضمير.


 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة

This error message is only visible to WordPress admins

Error 403: The request cannot be completed because you have exceeded your quota..

Domain code: youtube.quota
Reason code: quotaExceeded

Error: No videos found.

Make sure this is a valid channel ID and that the channel has videos available on youtube.com.