العرب في بريطانيا | حين تختصر الحكمة طريق العمر (حكمة الأجداد)

1447 شوال 5 | 24 مارس 2026

حين تختصر الحكمة طريق العمر (حكمة الأجداد)

حين تختصر الحكمة طريق العمر (حكمة الأجداد)
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

في مساءٍ هادئٍ، كنتُ أجلسُ إلى جوارِ جدّي، كما اعتدتُ أن أفعل كلّما ضاقَ صدري بضجيجِ هذا العالم. كانت السهرةُ تلك الليلة تحمل عنواناً بسيطاً في لفظه، عميقاً في معناه: الأمثال. تناقلناها كما يتناقل الناسُ خبزهم اليوميّ، نقتاتُ منها حكمةً، ونستظلّ بها حين تعجزُ التجاربُ عن تفسيرِ نفسها.

وبينما كنّا نستعرضُ ما حفظه الزمنُ في ذاكرةِ جدّي، توقّف فجأةً عند مثلٍ قاله بنبرةٍ مختلفة، كأنّه لا يرويه فحسب، ولكن يُسلّمه لي أمانةً:
“ضربةُ المعلّم بألف، ولو شلفها شلف.”

شدّني المثلُ كما تشدّنا كلمةٌ قيلت في وقتها تماماً، لا قبله ولا بعده. كان أشبهَ بمفتاحٍ يُفتح به بابُ فهمٍ أعمق للحياة. نظرتُ إليه، فابتسم تلك الابتسامة التي لا تحتاجُ إلى شرح، وقال: “مو كلّ ضربةٍ تُحسب… في ضرباتٍ تصنع الفرق.”

منذ تلك اللحظة، أدركتُ أنّ الأمثال التي ورثناها عن أجدادنا لم تكن ترفاً لغوياً، ولا زينةً تُعلّق على جدران الكلام، كانت خلاصةَ أعمارٍ طويلةٍ من التجربة، مختصرةً في جملة، مكثّفةً كقطرةِ عطرٍ تحملُ رائحةَ زمنٍ كامل.

“ضربةُ المعلّم” هي لحظةُ إدراكٍ نادرة، يلتقي فيها العلمُ بالتجربة، والذكاءُ بالصبر، فتخرجُ النتيجةُ وكأنّها بديهية، رغم أنّها ثمرةُ سنواتٍ من التعلّم والتعثّر والمحاولة. هي تلك اللحظة التي يبدو فيها الأمرُ بسيطاً للعيان، بينما هو في الحقيقة معقّدٌ في جوهره، لا يُتقنه إلّا من صبر طويلاً حتى فهم.

أمّا قوله: “بألف، ولو شلفها شلف”، فهو إقرارٌ بأنّ الجودة لا تُقاس بالكثرة، وأنّ ضربةً واحدةً مُتقنةً قد تغني عن مئات المحاولات المرتبكة. كم من إنسانٍ يستهلكُ عمره في التكرار دون أن يبلغَ الإتقان، وكم من آخرَ يختصرُ الطريقَ كلّه بخطوةٍ واحدةٍ محسوبة، لأنّه تعلّم كيف يرى ما لا يراه الآخرون.

في هذا المثل، يختبئ درسٌ عميق: ليس المهمّ أن تعمل كثيراً، المهمّ يا صديقي أن تفهم كيف تعمل. وليس المهمّ أن تُكثر من الضربات، المهمّ أن تُحسن اختيار اللحظة التي تضرب فيها، والطريقة التي تُصيب بها هدفك. فالحياةُ لا تُكافئ الضجيج، تُكافئ الدقّة.

تذكّرتُ حينها كيف كنّا، نحنُ أبناء هذا الزمن، نلهثُ خلف السرعة، نريدُ النتائجَ فوراً، ونظنّ أنّ الكثرةَ تعوّضُ النقص في الفهم. نكتبُ كثيراً، نجرّبُ كثيراً، نخطّطُ كثيراً… لكنّنا ننسى أن نتوقّف قليلاً لنتعلّم كيف نُحسن الضربة الأولى.

أمّا أجدادنا، فقد كانوا يعرفون أنّ الإتقان لا يأتي من التسرّع، وإنّما من التمهّل. كانوا يراقبون الحياة كما يُراقب الصيّادُ فريسته، لا يُطلقُ سهمه إلّا حين يتيقّن من إصابته. لذلك، كانت “ضربةُ المعلّم” عندهم ليست صدفةً، وإنّما نتيجةُ وعيٍ عميقٍ بما يفعلون.

هذا المثلُ أيضاً يعلّمنا أن الخبرة تقاس بما يتركه الإنسان من أثر. فالمعلّم الحقيقيّ ليس من يتعلّم من كلّ محاولة، حتى إذا جاء وقتُ الفعل، كان فعلهُ حاسماً، واضحاً، لا يحتاجُ إلى تصحيح.

وربما أجمل ما في هذا القول أنّه يُعيدُ ترتيبَ نظرتنا للنجاح. فالنجاح لحظةُ نضجٍ تتجلّى فيها كلّ التجارب السابقة في فعلٍ واحدٍ متقن. هو تلك “الضربة” التي تختصرُ الطريق، لأنّ صاحبها أصبح يعرفه جيداً.

حين انتهت السهرة، بقي المثلُ يتردّد في داخلي، كأنّه لم يُقال لي في تلك اللحظة فقط، بل قيل لكلّ مرحلةٍ سأمرّ بها لاحقاً. فهمتُ أنّ كلام الأجداد ليس حنيناً إلى الماضي، هو دليلُ طريقٍ للمستقبل. وأنّ هذه الجُمل القصيرة، التي قد تبدو بسيطةً، تحملُ في طيّاتها خرائطَ كاملةً للحياة.

خرجتُ من تلك الجلسة وأنا أشعرُ أنّني لم أستمع إلى مثلٍ فحسب، فقد تلقّيتُ درساً في كيف أعيش، كيف أختار، وكيف أُحسن “ضربتي” حين يحين الوقت.

وهكذا، يبقى كلامُ الأجداد حيّاً، لا لأنّه قيل في زمنٍ وسيمضي، ولكن لأنّه يتجدّد في كلّ زمن، ويجدُ طريقه إلى القلوب التي تبحث عن المعنى. وربما، في عالمٍ يضجّ بالكثرة، نحتاجُ أكثر من أيّ وقتٍ مضى أن نتذكّر:
أنّ ضربةَ المعلّم… بألف.


 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا