العرب في بريطانيا | بين منطق "الحقّ" ومرارة "الأسلوب...

1447 شوال 16 | 04 أبريل 2026

بين منطق “الحقّ” ومرارة “الأسلوب”.. هل يكفي أن نكون صادقين؟

بين منطق "الحقّ" ومرارة "الأسلوب".. هل يكفي أن نكون صادقين؟
عدنان حميدان April 4, 2026
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

في تاريخنا قصةٌ _ليست مجرّد عبرةٍ في كتب السّير تُقرأ وتُنسى في لحظةٍ _ فهي “بوصلة” أخلاقيّة نحتاجها اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى. حين وقف ذلك الرّجل أمام الخليفة هارون الرشيد قائلاً: “إنّي أريد أن أكلّمك بكلامٍ فيه غلظةٌ فتحمّله مني!”، لم يكن الرّشيد حينها بأمسّ الحاجة إلى دروسٍ في السياسة، ولكنّه قدّم للرّجل ولنا درساً في فقه النّفوس. قال له بيقين الواثق: “لا، فقد بعث الله من هو خير منك (موسى) إلى من هو شرّ منّي (فرعون)، وأمره أن يقول له قولاً ليناً”.

تأمّلتُ في هذا المشهد طويلاً، وربطته بواقعنا المعاصر، فوجدت أنّنا نعيش أزمة “تغليف” للحقائق. فكم من صاحب حقٍ أضاع حقه بسوء أدبه، وقلّة وعيه تجاه ما يقوله، وتجاه تصرّفاته؟ وكم من مُصلحٍ نفر الناس من صلاحه بفظاظة قلبه، وثقل كلامه؟

في ميادين العمل العام والتطوعي

إنّ العمل من أجل النّاس يتطلب قلباً ودوداً، يتّسع لهم ويلين، قبل أن يتطلب عقولاً تخطّط لهم. في المؤسّسات، وفي ساحات التّطوّع الّتي نذرنا لها أعمارنا، نرتكب أحياناً خطيئة “الاستعلاء بالصواب”. يظنّ الواحد منّا أنّ امتلاكه للرّؤية الصّحيحة أو التفاني في الإنجاز يمنحه صكاً مفتوحاً للغلظة، أو مبرراً لتجاوز أدبيات الحوار.

غاب عن هؤلاء أن “الفظاظة” جدارٌ عازل، ولو كنت تحمل خلفه كنوز الأرض؛ فالمتطوع الذي يقابلك بابتسامةٍ وكلمةٍ طيّبةٍ يزرع في روحك الرّغبة في العطاء، بينما ذاك “الغلظ” يقتل فيك روح المبادرة ولو كان برنامجه الأكمل إتقاناً.

في وحشة الاغتراب (الغربة)

وهنا، يشتد الوجع وتزداد الحاجة إلى لينٍ، وكلامٍ يُخفّف ممّا يكابده القلب. المغترب، ذاك الذي ترك خلفه وطناً وذكريات، وأيّاماً تركت في عمقه الكثير، يعيش بروحٍ “هشة” مهما تظاهر بالقوة، حتّى الكلمة الجارحة في الغربة ليست مجرد حرف، ولن تكون بيومٍ كذلك، فهي طعنةٌ في صدر إنسان يبحث عن “أهل” في وجوه الغرباء.
إنّنا في ديار الغربة، نحتاج أن نكون لبعضنا سكَناً، لا عبئاً إضافياً. فما قيمة أن نكون “جالية” منظمة وقوية، إذا كانت علاقاتنا البينية يحكمها الجفاء والتصيّد والغلظة في المناصحة؟

فلسفة “القول اللين”

إن القول اللين ليس ضعفاً، ولا هو نفاقٌ اجتماعي، ولكن هو “فروسية” الأخلاق. الله عزّ وجلّ خاطب نبيّه المصطفى -وهو المؤيد بالوحي- قائلاً: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}. إذا كان الناس سينفضون عن سيد الخلق لو كان فظاً، فكيف بي وبك؟

إن العبرة ليست في أن “تقول الحق” فحسب، ولكن العبرة في “كيف” تقول الحقّ؛ فالحياة أقصر من أن نقضيها في ترميم القلوب الّتي كسرناها بلساننا، بقصدٍ أو دون ذلك. فليكن شعارنا في تعاملاتنا، في بيوتنا، وفي غُربتنا: “الحقّ يُقال.. لكن باللّين يُقبل”.

فيا أصحاب المبادئ، زيّنوا مبادئكم بالرّفق، فإنّ الرّفق ما كان في شيءٍ إلّا زانه، وما نُزع من شيءٍ إلّا شانه.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا