العرب في بريطانيا | بين الكلفة والهدف: مأزق الاستراتيجية الأمريكية ...

1447 شوال 4 | 23 مارس 2026

بين الكلفة والهدف: مأزق الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة إيران

بين الكلفة والهدف: مأزق الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة إيران
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

ليست كل الحروب تُقاس بنتائجها العسكرية، وبعضها لا يُقاس حتى بمسارها الميداني، بل بقدرتها على الاستمرار دون أن تنقلب إلى عبء على من يخوضها.

من هذه الزاوية تحديداً، تبدو الحرب على إيران مثالاً واضحاً على لحظة مفصلية، حيث يبدأ التفوق العسكري بفقدان معناه أمام تكلفة متصاعدة وأهداف آخذة في التراجع.

حين تصل تكلفة العمليات إلى نحو مليون دولار في الدقيقة -بحسب صحيفة نيويورك تايمز- فإن السؤال لا يكون عن القدرة على القتال، بل عن القدرة على الاستمرار، فالدول لا تُستنزف فقط حين تُهزم، بل حين تُجبر على دفع ثمن متزايد لحرب لا تقترب من نهايتها، وهنا تكمن المفارقة: القوة التي تمكّن الولايات المتحدة من خوض هذه الحرب، هي نفسها التي تجعلها باهظة إلى حدّ يصعب تحمّله على المدى الطويل.

المشكلة الأعمق لا تتعلق بالتكلفة وحدها، بل بطبيعة الأهداف، فالحروب التي تبدأ بسقوف عالية -تغيير نظام، أو إنهاء برنامج استراتيجي بالكامل- من النادر أن تنتهي عند تلك النقطة.

ما يحدث عادة هو ما نشهده اليوم: انزلاق تدريجي نحو أهداف أقل طموحاً، يُعاد تعريفها مع كل مرحلة، حتى تتحول الحرب من مشروع حسم إلى إدارة أزمة مفتوحة.

هذا ليس تطوراً تقنياً في الاستراتيجية، بل اعتراف ضمني بأن الحسم غير ممكن بالتكلفة الحالية.

في المقابل، لا يحتاج الطرف الآخر إلى تحقيق انتصار تقليدي…

يكفيه أن يُبقي الحرب مستمرة، وأن يفرض معادلة استنزاف غير متكافئة اقتصادياً.

حين تُستخدم أدوات باهظة الثمن لمواجهة وسائل منخفضة التكلفة، تصبح المسألة مسألة وقت لا أكثر. الزمن هنا ليس عاملاً محايداً، بل يميل تدريجياً لمصلحة الطرف القادر على الصمود بأقل تكلفة.

ثم هناك الداخل الأمريكي، وهو العامل الذي كثيراً ما حسم نتائج حروب سابقة: ارتفاع أسعار الوقود، وتضخم الإنفاق العسكري، والانقسام السياسي، كلها مؤشرات على أن هذه الحرب لا تُخاض فقط في الخارج، بل داخل المجتمع الأمريكي نفسه. ومع كل يوم يمر، يتسع نطاق السؤال: ما الذي يُبرر هذه التكلفة؟ وما الهدف النهائي؟

الأخطر من ذلك أن الحرب لا تجري في بيئة معزولة…

فهي تتقاطع مع توازنات دولية حساسة، ومع صراع مفتوح بين قوى كبرى تسعى لاستثمار أي استنزاف أمريكي لمصلحتها، وفي عالم يعتمد على استقرار الطاقة، يكفي اضطراب محدود في الإمدادات ليتحول الصراع إلى أزمة عالمية، تتجاوز بكثير حدود المواجهة المباشرة.

في ضوء ذلك، لا تبدو المشكلة في احتمال الخسارة العسكرية، بل في الوقوع في ما هو أكثر تعقيداً: حرب لا تُخسر بوضوح، ولا تُربح بوضوح، لكنها تستمر.

هذا النوع من الحروب هو الأكثر تكلفة؛ لأنه لا يفرض قراراً حاسماً، بل يترك الباب مفتوحاً أمام استنزاف طويل، تتآكل فيه القدرة السياسية قبل القدرة العسكرية.

هنا تحديداً يبرز السؤال الحقيقي: هل ما يجري هو حرب بهدف تحقيق نتيجة، أم مسار يتطور بذاته، وتُعاد فيه صياغة الأهداف لتبرير الاستمرار؟

في النهاية، قد لا تكون هذه الحرب اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على استخدام القوة، بل لقدرتها على ضبطها، فالتاريخ لا يُظهر فقط من انتصر، بل من عرف متى يتوقف.

في الحروب التي تُدار بهذا الشكل، يكون التحدي الأكبر ليس في الدخول إليها، بل في الخروج منها.


 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا