النّجاح السّريع: لماذا أصبحنا نخاف الطّريق الطّويل؟
تُقاس الأحلام في هذا الزمن بعدد المتابعين، وتُختصر الحكايات الإنسانيّة بلقطاتٍ لا تتجاوز بضع ثوانٍ، صار النّجاح السّريع أشبه بعقيدةٍ جديدة يتبنّاها النّاس دون أن يشعروا. لم يعد السّؤال: كيف نتقن الطّريق؟ صار (كيف نصل بأسرع وقت؟) حتّى الصّبر لم يعد فضيلةً تُحترم، ولكن أصبح عند البعض علامة تأخّرٍ، وكأنّ السّنوات الّتي تُصرف في التّعلم والتّجربة ليست إلّا خسارةً في سباقٍ لا يعرف أحدٌ نهايته. وهنا يبرز السّؤال المؤلم: لماذا بتنا نخاف الطّريق الطّويل رغم أنّه كان، عبر التّاريخ، المسار الطّبيعي للنضج والإنجاز؟
أوّل الأسباب يكمن في ثقافة الصّورة السريعة. نحن نعيش في عالمٍ يعرض النتائج دون سياقها، ويُظهر القمم دون سفوحها. نرى من نجح بعد عشر سنوات، لكنّنا لا نشاهد إلّا لحظة التّتويج، فتتشكّل في وعينا صورة مشوهة عن الواقع. يتسلّل إلينا وهمٌ خفي: أنّ النّجاح يحدث فجأة، وأنّ العمل الطّويل ليس ضرورياً. هذه الصّورة المختزلة تخلق فجوة بين ما نراه وما نعيشه، فتجعل الرحلة الطبيعية تبدو بطيئةً ومحبطة، رغم أنها المسار الحقيقي للنمو.
السّبب الثّاني يرتبط بالخوف من الفشل. الطريق الطويل يعني احتمالاتٍ أكبر للسقوط والتعثر، بينما يبدو الطريق القصير وكأنّه أقلّ مخاطرة. في الحقيقة، هو العكس تماماً؛ فالاختصار المبالغ فيه غالباً ما يفتقر إلى العمق والاستقرار. لكنّ النّفس البشريّة تميل إلى تجنّب الألم، ولذلك تبحث عن النّتائج الفوريّة الّتي تمنحها شعوراً سريعاً بالإنجاز، حتى لو كان هشاً. هذا الخوف يجعلنا نرفض التّجربة العميقة، ونفضل المكاسب السّطحيّة الّتي لا تتطلب مواجهة حقيقية مع حدودنا ونقاط ضعفنا.
هناك أيضاً ضغط المقارنة المستمرّة. حين يرى الإنسان أقرانه يحقّقون إنجازاتٍ تبدو كبيرة في وقتٍ قصير، يبدأ بالشعور بأنّه متأخر، حتى لو كان يسير بثباتٍ في طريقه الخاص. المقارنة تُحوّل الرحلة الشخصية إلى سباقٍ جماعي، وتُفقد الإنسان القدرة على تقدير مساره الفريد. يصبح الطّريق الطّويل مرادفاً للتّأخّر، لا للنّضج، وتتحوّل السّنوات الّتي تُستثمر في البناء الحقيقي إلى عبءٍ نفسي بدل أن تكون مصدر فخر.
ومن الأسباب العميقة كذلك تغيّر مفهوم الزمن نفسه.
نحن نعيش في عصر السّرعة، حيث تصلنا الأخبار فور وقوعها، وتُلبّى حاجاتنا بضغطة زر. هذا الإيقاع السّريع يعيد تشكيل توقعاتنا، فنبدأ بالتّعامل مع الحياة كما نتعامل مع التطبيقات؛ نريد نتائج فورية، وتقدماً ملموساً في كل لحظة. لكن النمو الإنساني لا يخضع لقوانين التّكنولوجيا؛ إنه يحتاج إلى بطءٍ وتأمل وتكرار. حين نحاول إخضاع الحياة لمنطق السّرعة، نشعر بالإحباط لأنّ الواقع لا يستجيب لتوقعاتنا المصطنعة.
كما يلعب الاقتصاد النفسي دوراً مهماً في هذا الخوف من الطريق الطويل. النجاح السريع يعدنا بمكافآت فوريّة: شهرة، مال، اعتراف اجتماعي. أمّا الطّريق الطّويل فيتطلّب استثماراً قد لا تظهر نتائجه إلّا بعد سنوات. العقل البشري يميل إلى تفضيل المكاسب القريبة على المكاسب البعيدة، حتى لو كانت الأخيرة أكبر وأكثر استدامة. وهكذا نقع في فخ الخيارات السّهلة، ونفقد القدرة على بناء إنجازاتٍ عميقة تستمرّ معنا طوال العمر.
لكن السّؤال الأهمّ ليس لماذا نخاف الطريق الطويل فقط، وإنّما ماذا نخسر حين نهرب منه؟ أوّل ما نخسره هو العمق. النجاح الذي يُبنى بسرعة غالباً ما يفتقر إلى الجذور، ولذلك يكون أكثر عرضةً للانهيار عند أول أزمة. الطّريق الطّويل يمنحنا مهاراتٍ وخبراتٍ لا يمكن اكتسابها بالاختصار، ويجعلنا أكثر قدرةً على التّكيف مع التّغيرات. كما أنّه يمنحنا ثقةً حقيقيّة بالنّفس، لأنّنا نعرف أنّنا بنينا ما لدينا خطوةً خطوة، لا صدفةً أو ضربة حظ.
نخسر أيضاً متعة الرحلة نفسها. حين يصبح الهدف هو الوصول فقط، نفقد القدرة على الاستمتاع بالتّعلم والتّطور.
الطريق الطويل تجربةٌ إنسانية تُشكّل هويتنا وقيمنا. فيه نتعرّف إلى أنفسنا، ونكتشف حدودنا، ونتعلم الصبر والانضباط. هذه القيم لا تظهر فجأة عند الوصول، لكنّها تُبنى تدريجياً عبر التكرار والتجربة والخطأ.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنّ الرغبة في النجاح السريع ليست كلها سلبية. فهي تعكس طموحاً ورغبةً في الإنجاز، لكنها تحتاج إلى توازنٍ وحكمة. المشكلة ليست في السرعة بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى معيارٍ وحيد للنجاح. حين نخلط بين الكفاءة والاختصار المفرط، نفقد القدرة على التمييز بين التقدم الحقيقي والتقدم الوهمي.
النجاح الحقيقي يا أصدقائي عمليّة تراكمية تحتاج إلى رؤيةٍ بعيدة المدى.
كيف نستعيد ثقتنا بالطريق الطويل إذن؟
أولاً، عبر إعادة تعريف النجاح ليشمل النمو الشخصي لا النتائج فقط.
ثانياً، بتقليل المقارنة والتركيز على المسار الفردي، لأنّ لكل إنسان ظروفه وإيقاعه الخاص.
ثالثاً، بتعلّم تقدير الإنجازات الصغيرة التي تحدث يومياً، لأنها اللبنات التي تُبنى منها الإنجازات الكبرى.
وأخيراً، بالوعي بأنّ البطء أحياناً ليس عيباً، ولكن ضرورة للتعلم العميق، والخوف من الطريق الطويل ليس إلا انعكاساً لزمنٍ يقدّس السرعة وينسى المعنى. لكن الحقيقة البسيطة التي كثيراً ما نتجاهلها هي أنّ الأشياء التي تستحق البقاء تحتاج إلى وقتٍ لتنمو. النجاح السريع قد يلمع كوميضٍ خاطف، أما النجاح الذي يولد من رحلةٍ طويلة فهو نورٌ ثابت لا ينطفئ بسهولة. وبين الوميض والنور، يقف الإنسان أمام اختياره: أن يطارد لحظةً عابرة، أو أن يبني حياةً تستحق أن تُعاش بكل تفاصيلها.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
