الأشياء الّتي كسرتنا… هل كانت تحاول أن تُنقذنا؟
نميل، بطبيعتنا البشريّة، إلى النّظر إلى الألم بوصفه عدوّاً صريحاً؛ حادثةً طارئة ينبغي تجاوزها بأسرع ما يمكن، أو ندبةً نسعى إلى إخفائها عن أعين الآخرين، بل وعن أنفسنا أحياناً. لكن، ماذا لو لم يكن الألم مجرّد عارضٍ قاسٍ في طريقنا، وكان – على نحوٍ خفي – محاولةَ إنقاذٍ لم نفهمها في وقتها؟ ماذا لو كانت تلك اللّحظات الّتي ظننّا أنّها حطّمتنا، هي ذاتها الّتي أعادت تشكيلنا بطريقةٍ لم نكن لنبلغها لولاها؟
حين ينكسر شيءٌ في داخلنا، لا يحدث ذلك دائمًا بصخب. أحياناً يكون الانكسار صامتاً، يتسلّل إلى أعماقنا دون إعلان، كشرخٍ دقيقٍ في زجاجٍ شفاف. نظلّ نعيش، نبتسم، ونمارس تفاصيلنا اليومية، بينما في الداخل يتّسع ذلك الشرخ، ويغيّر طريقة رؤيتنا للعالم، ويجعل الضّوء يدخل إلينا بزاويةٍ مختلفة. وربّما، في تلك الزاوية تحديداً، يكمن المعنى.
ليست الأشياء التي كسرتنا دائماً أشخاصاً أو أحداثاً واضحة المعالم؛ قد تكون فكرةً صدّقناها طويلاً ثم اكتشفنا زيفها، أو حلماً بنيناه بعنايةٍ ثم انهار فجأة، أو ثقةً منحناها لمن لم يكن أهلاً لها. في كلّ مرةٍ ينكسر فيها شيء، نشعر بأن جزءاً منا يُنتزع، وبأننا نخسر ما لا يُعوَّض. لكن الحقيقة الأكثر تعقيداً أن هذا الفقد قد لا يكون فقداً خالصاً، ولكن إعادة ترتيبٍ لما ينبغي أن يبقى وما يجب أن يرحل.
نحن لا نخاف الانكسار بحدّ ذاته، بقدر ما نخاف ما يكشفه فينا. فهو يعرّي أوهامنا، ويفضح هشاشتنا، ويضعنا أمام أنفسنا دون أقنعة. فجأة، ندرك كم كنّا نعتمد على أشياء خارجية لتعريف ذواتنا: شخص، علاقة، نجاح، صورة. وحين تسقط هذه المرتكزات، نجد أنفسنا في فراغٍ مربك، لكن هذا الفراغ – على قسوته – هو المساحة الوحيدة التي يمكن أن تولد فيها نسخةٌ أكثر صدقاً منا.
فهل يمكن أن يكون الألم فعلَ إنقاذ؟ ليس بالمعنى الذي نرغبه، ولا بالطريقة التي نتمنّاها، لكنه – في كثيرٍ من الأحيان – كذلك. لأن ما لا ينكسر فينا قد يظلّ جامداً، مغلقاً، غير قابلٍ للنمو. الانكسار يفتح الشقوق، وهذه الشقوق – على غرابتها – تسمح بدخول الضوء. قد يكون الضوء مؤلماً في البداية، كحقيقةٍ لم نكن مستعدّين لمواجهتها، لكنه في النهاية يكشف ما لم نكن نراه.
كم من مرةٍ تشبّثنا بما كان يؤذينا، فقط لأننا لم نعرف كيف نعيش بدونه؟ علاقة تستنزفنا، طريق لا يشبهنا، دور نؤدّيه لإرضاء الآخرين. كنّا نظن أننا نحافظ على أنفسنا، بينما كنّا في الحقيقة نؤجّل انهياراً حتمياً. ثم يأتي الانكسار كصدمةٍ توقظنا، كحدثٍ يفرض علينا أن نترك، أن نتخلّى، أن نعيد النظر. في تلك اللحظة نشعر بالخسارة، لكنّنا لا نرى أنّنا، في الوقت ذاته، تحرّرنا.
الإنقاذ لا يأتي دائماً في هيئةٍ لطيفة؛ أحياناً يأتي قاسياً، عنيفاً، عصيّ الفهم. كأن تُغلق الأبواب في وجهك، أو تخذلك الطّرق الّتي وثقت بها، أو تفقد شيئاً ظننت أنه جزءٌ منك. في الظّاهر يبدو ذلك كعقاب، كخذلانٍ من الحياة، لكن في عمقه قد يكون توجيهاً خفيّاً، إبعاداً عن مسارٍ لم يكن ليقودك إلّا إلى مزيدٍ من التيه.
المشكلة أنّنا نحاكم التّجارب ونحن في قلبها؛ نريد أن نفهم الآن، أن نجد المعنى فوراً، أن نُبرّر الألم قبل أن يهدأ. لكن بعض المعاني لا تنكشف إلا بعد زمن، حين نبتعد قليلاً، وننظر إلى الوراء لنرى الصورة مكتملة. عندها فقط ندرك أن ما ظننّاه نهايةً كان بداية، وأن ما حسبناه خسارةً كان إعادة توجيه، وأن ما كسرنا لم يفعل ذلك عبثاً.
ليس كلّ انكسارٍ جميلاً، ولا كلّ ألمٍ يحمل رسالةً واضحة. هناك جراحٌ تبقى مفتوحة، وأسئلةٌ لا تجد إجابة. لكن حتى في هذا الغموض، يحدث تحوّلٌ داخلي: نتعلّم كيف نتحمّل، كيف نعيد بناء أنفسنا ببطء، وكيف نصبح أكثر وعياً بما نحتاجه وما لا نحتاجه. قد لا يكون هذا إنقاذاً بالمعنى الرومانسي، لكنه بلا شك تحوّل.
الإنسان الذي لم ينكسر يوماً قد يبدو قوياً، لكنه – في الحقيقة – لم يُختبر بعد. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بغياب الألم، ولكن بالقدرة على العبور خلاله دون أن نفقد أنفسنا بالكامل. وربما لا نخرج كما كنّا، ولكن نخرج مختلفين… وهذا الاختلاف، رغم ما يبدو فيه من خسارة، هو في جوهره ارتقاء.
نحن نحبّ النسخ القديمة من أنفسنا لأنها مألوفة، حتى لو كانت محدودة أو مقيّدة. لكن الحياة لا تسمح لنا بالبقاء في المكان ذاته طويلاً؛ تدفعنا، بطرائقها الخاصة، إلى التغيير. وأحياناً، يكون الانكسار هو الوسيلة الوحيدة لإجبارنا على هذا التغيير.
فهل كانت الأشياء التي كسرتنا تحاول أن تُنقذنا؟ ربما لم تكن تحاول بوعي، لكن نتائجها كثيراً ما تقود إلى ذلك. لأننا، بعد كلّ انكسار، نُجبر على إعادة تعريف أنفسنا، وعلى طرح أسئلةٍ لم نكن نجرؤ على طرحها، وعلى رؤية الحياة من زاويةٍ جديدة. وهذه العملية، رغم قسوتها، تحمل في طيّاتها بذور النجاة.
في النهاية، قد لا نستطيع أن نحبّ كلّ ما مررنا به، ولا أن نُسامح كلّ ما كسرنا بسهولة. لكنّنا نستطيع، على الأقلّ، أن ندرك أن تلك اللحظات لم تكن فراغاً، ولا عبثاً خالصاً؛ كانت جزءاً من طريقٍ أطول، طريقٍ يجعلنا – رغم كلّ شيء – أكثر فهماً لأنفسنا، وأكثر قدرةً على الاستمرار.
وربما، حين نصل إلى نقطةٍ ما في هذا الطّريق، سننظر إلى تلك الكسور برؤيةٍ غير خاصّة بنا _دون أن نشعر أنّها علامات ضعف تفتك بنا_ نعم سننظر إليها كدلائل واضحة على أنّنا نجونا… بطريقةٍ لم نفهمها إلا متأخّراً.
اقرأ أيضًا:
- في تلك البلاد ما زال هناك متّسعٌ للأمل (نحبها…حتّى في خرابها الكبير)
- حين يُعيد القدر كتابة ما نظنّه مكتملاً
- حين تصبح الآية حياة
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
