في ذكرى رحيل محمد قطب “الشهيد الحي”
الرابع من شهر إبريل الحالي نكأ جُرحاً من جراحات الجسد الإسلامي المنهك، فقد حمَل في طياته ذكرى رحيل أحد أقطاب الفكر في العصر الحديث.
كيف لا وهو يوم لا يفتأُ يُذكرني بشخصية أثّرت فيّ بفكره وكتاباته الجليلة الرائعة. ولئن سُئلت يوماً عن أفضل عمل قرأته في حياتي والمصنفات التي أوصي بها، لكان سفر الدكتور محمد قطب (شُبهات حول الإسلام) في طليعة القائمة.
كما أزعُمُ أن الشيخ ثانيَ اثنين-في المائة سنة الأخيرة- مناصفةً مع المفكر محمد الغزالي، تكلموا عن الفكر الغربي المهيمن بإعتباره رافداً من روافد المعرفة فقط، وليس أستاذاً ومصدراً لها كما يُروج بذلك.
في ثنايا مؤلفاته ستأخذ بتلابيب عقلك عمق الفكرة مع لذيذ العبارة، وسهولة الطرح بجانب الأسئلة المركزية.
لقلم الشيخ ميزتان رئيستان:
أولاهما: أنها ترفع المبتدئ ولا تُخفض المتقدم، بمعنى أنه قد إجتمع فيه ما تفرق عند غيره، فغير المتخصص يجدها نقيّة سهلة الفهم، ليست نُخبوية ولا مملة، كما أن الضليع الممارس للتفكير النقدي لا يلقاها -مطويات- تناسب المبتدئين فحسب، بل عمدة في بابها.
ثانيها : إذا رأيتَ ثَم رأيت لمؤلفاته بدءاً بما ذكرت آنفاً، مروراً بـ(مذاهب فكرية معاصرة)، (معركة التقليد) وإنتهاءً بـ(هل نحن مسلمون) (جاهلية القرن العشرين) ، أبصرت جليّاً أنه يُجابه الأفكار المستحدثة آنذاك ولا يقبل بها كتقبل الطالب لكلام أستاذه والعبد لأوامر سيده بُغية السلامة، بل يُمحّصها ويعريّها ويذكر ما لها وما عليها، ولا يهرب منها أو يغُض الطرف عنها.
فطوفان الأفكار التي تلت أفول دولة الإسلام (الخلافة العثمانية) قد ألقت بظلالها على تكوين العقل العربي كـ”الشيوعية” و “العلمانية” و “العقلانية” …وغيرها، وقف لها الشيخ سداً منيعاً، كما وقف إبن تيمية في وجه التتار في موقعة “شقحب”.
كرّس حياته في نفض الغبار عن تعاليم القيم الإسلامية، ثم أخذ يهُزُ شجرة التوت عن الفكر الاستعماري ( الغالب ) حتى تتساقط أوراقه اليابسة المغلّفة بالحرية والتطور . تمسّك بالمبدأ والحياد في مناقشة الإيديولوجيات ومسبباتها من موقعه المعتز بدينه، لا كمندهش بها كـ”طه حسين” مثلاً، ولا كمنصهر في بوتقتها كـ “رفاعة الطهطاوي”.
فإذا رُمت -يا قارئ كلماتي- إبتلاع الحيرة، ورؤيت الجمال مع الفكر الأصيل يسيران جنباً إلى جنب في خندقٍ واحد، فلا تعدو عينك عن مقالاته على غِرار (أثر النصر والهزيمة في الأفكار)، (لماذا كتب الله الإحسان في كل شيء ؟ وما هي القيمة العملية في إراحة الذبيحة ؟) ، ( وهل يُعقل أن الرئيس الأمريكي إبراهام لنكولن -محرر العبيد- أكثر إنسانيةً من النبي محمد عليه الصلاة والسلام ؟ لماذا إذاً لم يُحرر الإسلام العبيد؟) وغيرها.
ومما أثار حفيظتي وإجلالي له، أنه قد أوصى بألا يُطبع لكتابه (الشبهات) طبعات جديدة -مع أن الكاتب يأنس بتقبل الجمهور له- ، إذ يقول -بتصرف-: أن الإسلام ليس في قفص إتهام حتى يرد على كل ناعق، فمن أراده فعليه أن يرتقي إليه، لا أن ينزل هو من عليائه إلى مراحيض الغوغاء متسولي المعرفة.
علو في الحياةِ وفي المماتِ
بحقٍ أنت إحدى المعجزاتِ
ولا يغيب عنك أني غضت الطرف عمداً عن الحديث عن السيرة المعتادة، كمولد الشيخ ونشأته، ليس لعدم جدواها، بل آثرت ذكر الحياة العريضة التي يفخر بها المرء ، متسلحاً بعبارة الصحفي الأرجنتيني للأسطورة مارادونا في ختام مسيرته:
” لا يهم ما فعلته في نفسك، بل المهم ما فعلته فينا “.
كما أني لا أبرح أُذكّرُ أني ضنين القول في الأحياء، جواد في الأموات، لأن الأخير قد أفضى إلى ما قدم، ففي صباحات الرابع من شهر جمادى الآخرة من عام ١٤٣٥ هجري الموافق ٤ أبريل ٢٠١٤ ميلادي ، فاضت روح الشيخ إلى بارئها بعد حياة حافلة بالإنجازات، وإرث ضخم يقتات عليه المفكرون من بعده. جمعنا المولى به في دار كرامته، إنه حميدٌ مجيد.
اقرأ أيضًا:
- وقفة من نبي الله لوط عليه السلام
- حين يصمت العظماء: تأملات من قصة يوسف عليه السلام
- في رثاء الشيخ محمد المقرمي
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
