العرب في بريطانيا | إلى صغيرتي "لين": سر النجاح هو النجاح...

1447 شعبان 29 | 17 فبراير 2026

إلى صغيرتي “لين”: سر النجاح هو النجاح في السر

إلى صغيرتي "لين": سر النجاح هو النجاح في السر
عادل يوسف February 16, 2026

هذه أمشاجٌ متباينة، مما قرأت وسمعت وأدركت على مدار ثلاث عقودٍ ونفٍ مع معتركات الحياة .

عاينت فيها خبر أقوام عانقتهم منصات التتويج، وآخرون وضعهم الله من حيث أراد لهم الرِفعة، عن الفقراء الذين طال أمد فقرهم، وعن الذين يزدادون غنىً يوماً بعد يوم، عمن قضوا نحبهم ولم يأبه لهم أحد، وعمن بكت الدنيا لفراقهم .

والحق أقول: إن أردت الكتابة عن كل ذلك، لكنت كمن أراد جمع مياه المحيطات في قارورة وهواء الكون كله في قنينة، فأنّى له؟

غير أني نظرت في حال الأهداف والخصال جميعها، فوجدت أن بعضها تُغني عن الأخرى، وأن هناك غايات هي بمثابة أم القرى كل المقاصد محتاجةٌ إليها ولا تستغني عنها.

أبعثها إلى صغيرتي ” لين ” لئلا تتكلّف عناء البحث وطرق الأبواب كما فعل خالُها ،ها هي قد بدأت أولى خطواتها في التعليم ( الروضة )، وأقول : إن فهمتِ ما كتبت، وطبّقتِ ما دوّنت، ستأكلين الحلوى بالفالوذج، ويفخر بكِ والداكِ بإذنه تعالى .

لحى الله صُعلوكاً مُناه وهمه من

العيش، أن يلقى لبوساً ومطعما

لحى الله : أي قبّح الله.

1- في البدء كانت “إقرأ”

المتتبع لآيات الكتاب يجد أن تشريعات المولى سبحانه كلها ذات توجيه مباشر ( أي كل فعل أمر في القران، يتبعه المفعول به مباشرةً). فالله جلّ وعلا لمّا يأمرنا يدُلُنا، فمثلاً (أقيموا) فعل أمر، جاء بعدها المفعول به (الصلاة)، (آتوا) (الزكاة) وهكذا في سائر القران.

إلاّ في موطنٍ واحد في سورة العلق، فقال (اقرأ) ولم يذكر في كل السورة ماذا نقرأ بالتحديد، فقال العارفون في هذا الباب: أنه إذا ذُكر الأمر وحُذف المفعول به، أُطلق المعنى، أي إقرأ كل شيء، بدايةً متمتماً للكون المسطور (القرآن: اي كل ماكان وما سيكون موجود في القران الكريم)، وانتهاءً متأملاً للقران المنظور (الكون: فكل ما ذكر في الكتاب تجده في الكون الفسيح على غرار {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت ..} [الاية]

ولو لم يكن للقراءة فائدة إلاّ أنها تمنع الأيام أن تتشابه، لكفت بها شرفاً وفضلا.

وقديماً قالوا: (الحجارة المتدحرجة لا تقف عليها الطحالب)، فمن يقف على حاله ولا يتطور ويقرأ باستمرار، القاسم المشترك الوحيد بينه وبين الميت، هو أن كلاهما يشغل حيّز من الفراغ بدون فائدة.

موسى الكاظم : من استوى يوماه فهو مغبون.

2- الأقدام التي تسير في كل إتجاه لا تصل

التخصص، التخصص، ثم التخصص. عند تقليب صفحات المجد، سنجد أن الذين نحتوا اسمهم في سجلات التاريخ كان الفضل بعد توفيق الله لنبوغهم وتركيزهم في مجال واحد دون غيره، فأبو هريرة في الحديث، والشافعي في الفقه، وسيبويه في النحو، والمتنبي في الشعر، والجاحظ في الأدب، وصلاح الدين في القيادة وهكذا دواليك .

المتخصص هو شخص يعرف كل شيء عن شيء ، والمتخصص إنسان تخرس عند حضوره ألسنة المتنطعين وترتطم حول جداره الصلب شُبهات المشككين.

المتخصص ترتاح نفسك لإجاباته وتتقبلها تقبل الطعام الهني للجسد الصحيح، لا كالمشتت _ابن تيمية زمانه _ تضيع ساعات عمرك إذا وقفت يوماً تسمع لخطابه، يخرج الكلام من فِيه نيء غير ناضج، يزيدك تيهاً كما يزيد الطعام إذا خالط جوف المريض مرضاً.

يقولون هذا عندنا غير جائزٍ

فمن أنتم ؟ حتى يكون لكم عندُ

3- الاستمرارية

أما هذه فهي ثالثة الأثافي (الأثافي : هي الحجارة، فالعرب قديماً كانوا يضعون ثلاثة أحجار تحت قدر الطبخ حتى يتم تثبيته). كل ما قبلها لا شيء بدونها، فالقراءة لا تؤتي أُكلها إلاّ بعد ملازمة ما سطّرته أقلام أهل الفضل سنين عددا، والتميّز في تخصص لا يكون وصاحبه فاتر العزم، تتلقفه الأهواء يميناً ويساراً.

المنضبط هو وحده الحر في هذه الحياة، هو الذي لبى نداء (أدخلوا عليهم الباب) فولّج إلى بُغيته بكل ما فيه، وأخذ بلجام نفسه يردد (ولا يلتفت منكم أحد) ومضى في طريقه يشُق الصعاب رغم كل الملهيات، والنتيجة الحتمية كانت (أولئك هم الفائزون).

لا يبلغ المجد بطال ولا كسِلٌ

ولا ملولٌ، ولا من يألف البشرا


 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة