إرادةُ اللهِ فوقَ ما نُريد… وليسَ للإنسانِ إلّا ما سعى
ثمّة لحظةٌ ناضجةٌ في عمر الإنسان، لا تأتيه دفعةً واحدة، تتسرّب إليه كما يتسرّب الفجر إلى عتمةٍ طويلة؛ لحظةٌ يكتشف فيها أن خرائطه الدقيقة لم تكن سوى ظلالٍ على أرضٍ أوسع من تصوّره، وأن ما حسبه يقيناً لم يكن إلّا احتمالاً في كتابٍ أعظم.
هناك، عند تخوم الانكسار أو على عتبة الدهشة، يتجلّى المعنى الذي ظلّ يؤجَّل في داخله: أنّ إرادة الله فوق ما يريد، وأبعد من حساباته، وأرحب من أمانيه، ومع ذلك كلّه… (ليس للإنسان إلّا ما سعى)
قول الله تعالى، وما الّذي يعلو عليه؟
لا شيء، حاشا لله..
ليست القضية صراعاً بين إرادتين، كما يتوهّم العقل القَلِق، هي جدليّة الوجود نفسه؛ معادلةٌ دقيقةٌ بين المحدود والمطلق، بين الجزء والكلّ، بين رغبةٍ تولد في صدر إنسان، وحكمةٍ تتجاوز حدود صدره وحدود زمانه.
ولو أن الإرادة الإلهية كانت تُبطل أفعالنا، لكان الوجود عبثاً مُحكماً، مسرحاً لقدرٍ أعمى لا معنى فيه للثّواب والعقاب، ولا وزن فيه للنّية والاختيار. ولو أنّ سعي الإنسان هو الحاكم المطلق، لكان الكون فوضى متنازعة، تتصادم فيه الإرادات المحدودة بلا ميزانٍ أعلى يردّها إلى رشدها. لكن الحقيقة ليست في أحد الطرفين منفرداً، الحقيقة في التوتر الخلّاق بينهما.
إرادة الله ليست نقيضاً لرغباتنا، ولكن أفقها الأسمى. نحن نريد من زاويةٍ ضيّقة، من موقع التجربة الناقصة، من تحت ضغط الحاجة العاجلة. نرى اللحظة فنظنها الزمن كلّه، ونرى المكسب القريب فنحسبه الخير المطلق.
ننسى أن وراء المشهد مشاهد، ووراء الحدث أحداثاً تتشابك في نسيجٍ لا تدركه عيوننا القصيرة. أما الإرادة الإلهية، فليست محكومةً بلحظةٍ ولا محصورةً في أفقٍ ضيق؛ إنها تُدبّر الأمر من علٍ، ترى ما وراء الستار، وتعلم ما تُخفيه النتائج في بطونها من آثار.
كم من رغبةٍ استعجلناها، ودعونا لها بقلقٍ ولهفة، فلما حُجبت عنّا، ظنّنا أن السماء أقفلت أبوابها في وجوهنا. وكم من طريقٍ لم نخطط له، فُتح لنا فجأةً، فإذا به يحمل في طيّاته ما لم نكن لنبلغَه لو سارت الأمور وفق ما اشتهينا. نحن أبناء اللحظة، أما الله فربّ اللحظات كلها؛ نحن نختبر الحدث من داخله، وهو يجريه بعلمٍ محيطٍ لا تحدّه حدود.
غير أن هذا الفهم، إن لم يُضبط، قد يتحوّل إلى ذريعةٍ للكسل، أو ستارٍ للتواكل، أو رايةٍ يرفعها من ضاق صدره بالمحاولة. وهنا تبرز الجملة الثانية من المعادلة: ليس للإنسان إلا ما سعى. إنها ليست تقريراً لحدود الملكية فحسب، هي إعلانٌ لجوهر الكرامة الإنسانية.
فالإنسان لا يُقاس بما حاز، ولكن يُقاس بما حاول؛ لا بما وصل إليه، ولكن بما بذل في سبيل الوصول إليه.
النتائج قد تتبدّل بتبدّل المشيئة، أما السعي فهو التوقيع الشخصي الذي يضعه الإنسان على صفحة قدره.
أمّا السعي، فليس تمرداً على الإرادة الإلهية ولن يكون كذلك، بل هو انخراطٌ في نظامها. هو اعترافٌ ضمنيٌّ بأنّ الله أقام هذا الكون على سننٍ وأسباب، وأن من الحكمة أن يتحرك الإنسان في إطارها.
حين يزرع الفلّاح أرضه، لا يدّعي أنه يخلق الثمرة، لكنه يعلم أن من واجبه أن يبذر البذرة. المطر بيد الله، لكن البذر بيد الإنسان. ولو جلس ينتظر المطر بلا بذرة، لكان قد خان دوره، لا لأنه يعترض على المشيئة، ولكن لأنه أهمل ما وُكّل إليه.
هنا يتّضح الفرق الدّقيق بين الرّضا والتّواكل. الرضا يأتي بعد استخراج الوسع، بعد أن يُقدّم الإنسان أقصى ما يستطيع، ثم يسلّم النتائج لمن بيده النتائج. أما التواكل فهو استباقٌ للتسليم قبل بذل الجهد، وادّعاءُ حكمةٍ لم تُختبر. الأول شجاعة، والثاني هروب. الأول إيمانٌ عميقٌ بأنّ الله حكيم، والثاني سوء فهمٍ لمعنى الحكمة.
والحقّ أنّ كثيراً من آلام البشر تنبع من وهم السّيطرة المطلقة. نريد أن نضمن كل شيء، أن نحكم قبضتنا على المستقبل كما نحكمها على الحاضر، أن نسدّ كل ثغرةٍ قبل أن تولد. وحين تنفلت منّا خيوط الأمور، نشعر بأننا خُدعنا. لكننا لم نُخدع؛ نحن فقط نسينا أننا محدودون. الإرادة الإلهية لا تأتي لتحطّم طموحنا، وإنّما لتضعه في موضعه الصحيح، كي لا يتحول إلى طغيانٍ خفيٍّ على قوانين الوجود.
إنّ أجمل ما في هذه المعادلة أنها تعيد تعريف الربح والخسارة. قد تخسر منصباً حلمت به، لكنك تكسب نضجاً لم تكن لتبلغه وأنت في مقعده. قد يُغلق في وجهك بابٌ ظننته خلاصك، فيفتح لك باباً إلى نفسك، إلى معرفةٍ أعمق بذاتك، إلى صبرٍ لم تكتشفه من قبل. أحياناً لا تكون الهزيمة إلا صيغةً أخرى من التربية، ولا يكون الحرمان إلا وجهاً خفياً من وجوه العطاء.
من هنا تنشأ الطمأنينة الحقيقية؛ طمأنينة من يعمل بكل طاقته، ثم لا يُعلّق قلبه بالنتيجة تعليقاً يُدمّره إن خالفت توقعه. هو يعرف أن سعيه محفوظ، وأن جهده مكتوب، وأن كل خطوةٍ صادقةٍ لا تضيع في ميزان العدل الإلهي. حتى إن لم يرَ الثمرة بعينيه، فإنّه يؤمن أن بذلَه لم يكن عبثاً، وأنّ الطريق نفسه كان جزءاً من الغاية.
ولعل أعظم ما يتعلمه الإنسان من هذا التوازن أنه ليس مركز الكون، لكنه ليس هامشه أيضاً. هو كائنٌ مُكرَّم، مُنح حريةً جزئيةً ومساحةً للاختيار، لكنه يعيش في كونٍ أوسع من اختياره. بين الإرادة المحدودة والإرادة المطلقة، تتشكل إنسانيته. يريد، فيخطئ أحياناً ويصيب أحياناً. يسعى، فيتعب ويأمل. ثم يرفع رأسه إلى السماء، لا استسلامَ العاجز، بل تسليمَ الواثق: يا رب، هذا جهدي، وأنت أعلم بما يصلح لي.
عند تلك النقطة، يتغيّر معنى الفشل. لا يعود انهياراً كليّاً، يكون تجربةً في مدرسة الحكمة. ويتبدّل معنى النجاح؛ لا يعود مدعاةً للغرور، بل سبباً لمزيدٍ من الشكر والتواضع. كل حدثٍ يصبح رسالة، وكل طريقٍ درساً، وكل تأخيرٍ احتمالاً لخيرٍ مؤجَّل.
إرادة الله فوق ما نريد، نعم؛ لكنها ليست عدواً لأحلامنا إن كانت صادقة. قد تُبطئها لتُنضجها، وقد تُحوّل مسارها لتُنقّيها، وقد تمنعها لتستبدلها بما هو أليق بنا. والإنسان ليس له إلا ما سعى، نعم؛ لكن سعيه لا يضيع، ولو لم يثمر بالصورة التي رسمها في خياله. فكل نيةٍ طيبةٍ محفوظة، وكل تعبٍ في سبيل الحق محسوب، وكل خطوةٍ نحو الخير مرصودة في ميزانٍ لا يختلّ.
في النهاية، ليست الحكمة أن نُلغي إرادتنا بحجة الإيمان، ولا أن نُؤلّه إرادتنا بحجة الحرية. الحكمة أن نُحسن موضع كل شيء: نسعى وكأن الأمر موكول إلينا، ونتوكل وكأن الأمر كله لله.
نمشي في الأرض بخطى ثابتة، وقلوبٍ معلّقةٍ بالسماء. هناك، في هذا التوازن الدقيق، يولد السلام الداخلي؛ سلام الإنسان الذي عرف حدوده فلم يجزع، وعرف ربه فلم يخف، وعرف أن ما كُتب له سيأتيه، وأن ما لم يُكتب له لم يكن ليُصيبه.
وهكذا يمضي في حياته هادئ الروح، ثابت الخطوة، واسع الأفق… يعلم أن إرادة الله فوق ما يريد، وأن سعيه هو شهادته أمام الله، وأن بين الإرادتين سرّاً جميلاً اسمه: الثقة.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
