تغييرات الهجرة الجديدة في بريطانيا: لماذا تعاقب حكومة العمال من استقروا فيها بالفعل؟
تغييرات الهجرة الجديدة في بريطانيا: لماذا تعاقب حكومة العمال من استقروا فيها بالفعل؟
ما زلت عاجزًا عن استيعاب حزمة التغييرات التي أقرّتها حكومة حزب العمال في ملف الهجرة. فهذا الحزب ارتبط اسمه تاريخيًّا بالدفاع عن المظلومين والعمال والمهاجرين. غير أن ما أُعلن مؤخرًا يضعنا أمام سياسة تتناقض مع هذا الإرث، وتطرح أسئلة جدية حول وجهة الحكومة الحالية.
قواعد جديدة تطال المقيمين أصلًا
أخطر ما في التغييرات المعلنة أنها لا تقتصر على القادمين الجدد، بل تمتد إلى من يعيشون في بريطانيا بالفعل. وفي مقدمة المتضررين فئتان.
الفئة الأولى هي العمال الذين جاؤوا بطريقة نظامية على تأشيرات عمل، ويتقاضون دخلًا يقل عن 50 ألف باوند سنويًّا. هؤلاء لم يتلقوا أي مساعدات أو دعم حكومي، وأسهموا في الاقتصاد البريطاني بآلاف الباوندات من الضرائب. لقد التزموا بكل ما طُلب منهم، ثم وجدوا القواعد تتغير في منتصف الطريق.
والفئة الثانية هي اللاجئون الذين اعترفت بهم بريطانيا نفسها مستحقين للحماية. فقد منحتهم الدولة هذا الاعتراف ويسّرت لهم الاستقرار، فبنوا حياتهم في وطنهم الجديد، وأسسوا أسرًا، والتحق أبناؤهم بالمدارس، واندمجوا في سوق العمل.
إن تطبيق هذه الإجراءات بهذه القسوة على هاتين الفئتين، وعلى غيرهما ممن يقيمون في البلاد منذ سنوات، أمر يصعب تبريره. ويزداد الأمر قسوة مع المدد العقابية التي قد تصل إلى 30 عامًا قبل حصول بعض اللاجئين على الاستقرار. إنها سياسة غير عادلة وغير منصفة، ولا تشبه أبدًا ما نعرفه عن حزب العمال.
شرط اللغة B2: قفزة مفاجئة بلا تدرّج
من أبرز ما تضمنته التغييرات فرض مستوى B2 في اللغة الإنجليزية على اللاجئين المتقدمين للإقامة الدائمة، مع أنهم لم يكونوا مطالَبين بأي مستوى لغوي من قبل.
لا أعترض على مبدأ تعلّم اللغة، فأنا أتفق تمامًا مع أن اللاجئ ينبغي أن يكون قد اكتسب مستوى جيدًا من الإنجليزية بعد خمس سنوات من الإقامة. لكن الانتقال المفاجئ من عدم اشتراط أي مستوى إلى اشتراط مستوى متقدم نسبيًّا قفزة غير منطقية، وستكون عبئًا ثقيلًا على كثير من الأفراد والأسر، خصوصًا كبار السن ومن ينشغلون بالعمل وإعالة أسرهم.
المهاجرون ورقة سياسية في مواجهة حزب ريفورم
لا يمكن قراءة هذه التغييرات بمعزل عن المشهد السياسي البريطاني. فمن الواضح أن الحكومة تستخدم اللاجئين والعاملين ورقةً سياسية لسحب البساط من تحت حزب ريفورم (Reform UK)، ومنافسته على خطابه المتشدد في ملف الهجرة.
لكن هذا الاستخدام البشع للمهاجرين قد ينقلب على حزب العمال نفسه؛ إذ يخاطر الحزب بخسارة قاعدته التقليدية وقيمه التاريخية، دون أن يضمن كسب الناخبين الذين يسعى إلى استمالتهم.
درس عمال الرعاية الصحية
ثمة سؤال يفرض نفسه هنا: لماذا تراجعت الحكومة فقط عن مدة الخمسة عشر عامًا التي أرادت فرضها على عمال الرعاية الصحية، مع أن وزيرة الداخلية نفسها اعترفت بأن بعضهم اشترى تأشيرته وجاء دون عمل حقيقي، مستغلًّا الفوضى التي سادت في عهد رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون؟
الإجابة واضحة: تراجعت الحكومة لأن النقابات وأعضاء الحزب انتفضوا دفاعًا عن هذه الفئة. وهذا درس بالغ الأهمية لنا جميعًا؛ فالضغط المنظم يصنع الفرق.
ديسمبر موعد الحسم

من المنتظر أن يصدر الإعلان الرسمي عن التغييرات في كانون الأول/ديسمبر، على أن يبدأ التطبيق خلال عام 2027، كما أعلنت وزيرة الداخلية. وأتوقع ألّا يتوقف الأمر عند هذا الحد.
فطوال سنوات عملي في متابعة قوانين الهجرة ونقلها إلى الناس، لم أرَ مثل هذا الصلف في التغيير والتطبيق من وزارة الداخلية، رغم كل القوانين والتعديلات التي عاصرتها.
نحو صوت واحد للمجتمع المهاجر
هذه لحظة يجب أن تجمعنا بوصفنا مجتمعًا مهاجرًا، بعيدًا عن الانفعال وردود الفعل العاطفية. فور الإعلان الرسمي عن التغييرات والتدقيق في صيغتها النهائية، علينا أن نتحرك بكل الوسائل القانونية المتاحة أمامنا. يبدأ ذلك بالضغط على النواب في دوائرنا الانتخابية ومراسلتهم وشرح أثر هذه التغييرات على حياتنا، ويمر بتوقيع العرائض البرلمانية ونشرها على نطاق واسع، ويصل إلى تنظيم وقفات احتجاجية سلمية أمام البرلمان في يوم مؤثر، تُوصل صوتنا الرافض لهذا التعسف بحق من بدأوا طريقهم بالفعل واستقروا هنا.
ولا جدوى من الاكتفاء بانتقاد شخص وزيرة الداخلية شبانا محمود؛ فهذه سياسة حزب وحكومة، والوزيرة ليست إلا واجهتها. وحزب العمال يعمل على هذه السياسات منذ عهد وزيرة الداخلية السابقة. لذلك علينا أن نوجّه جهودنا نحو ما هو أهم وأجدى.
لقد أثبتت تجربة عمال الرعاية الصحية أن الصوت المنظَّم قادر على تغيير القرار. واليوم، علينا أن نتكاتف حتى نشكّل صوتًا واحدًا يدافع عن حق من بنوا حياتهم في هذا البلد في الاستقرار والأمان.
الرابط المختصر هنا ⬇
