العرب في بريطانيا | التصالح مع الذات.. كيف نتوقف عن جلد أنفسنا ونجد...

التصالح مع الذات.. حين نتعلّم ألّا نكون أعداء أنفسنا

التصالح مع الذات.. حين نتعلّم ألّا نكون أعداء أنفسنا

التصالح مع الذات.. حين نتعلّم ألّا نكون أعداء أنفسنا

أميرة عليان تبلو نوفمبر 1, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ليس أصعب على الإنسان من أن يخوض معركةً مع نفسه، وأن يجد في داخله خصمًا لا يستطيع الهروب منه، ولا يعرف كيف يعقد معه هدنة؛ فقد نمضي سنواتٍ طويلة نحاول أن نكون كما يريد الآخرون، ونقيس قيمتنا بما نحقّقه، ونجلد أرواحنا على أخطاء ارتكبناها في لحظات ضعف، أو قرارات اتخذناها بوعيٍ أقلّ مما نملكه اليوم، حتى ننسى، في خضمّ كل ذلك، أنّنا بشر، وأنّ النقص جزءٌ أصيل من حكايتنا.

التصالح مع الذات ليس أن نُقنع أنفسنا بأنّنا لم نُخطئ يومًا، ولا أن نبرّر كل ما فعلناه، أو نغضّ الطرف عن عيوبنا، بل أن نمتلك شجاعة النظر إلى أنفسنا كما نحن؛ بلا أقنعة، ولا محاولات مستمرّة لتجميل الحقيقة. أن نعترف بأخطائنا دون أن نختزل أنفسنا فيها، وأن نواجه عيوبنا دون أن نحكم على حياتنا بالفشل بسببها، وأن نفهم أنّ الإنسان لا يُختصر في أسوأ لحظاته، كما لا تُحدّد قيمته نجاحاته وحدها.

محكمة لا تنفضّ جلساتها

كتابة الأفكار ، مذكرات، حساب الذات
التصالح مع الذات يعني أيضًا أن نغفر لأنفسنا ما لم نكن نعرفه حينها

كم من إنسانٍ يحمل في داخله محكمةً لا تنفضّ جلساتها! يعيد مشهدًا قديمًا في ذاكرته، ويحاسب نفسه على كلمةٍ قالها، أو موقفٍ عجز فيه عن التصرّف كما ينبغي، أو فرصةٍ أضاعها، أو شخصٍ سمح له بأن يتجاوز حدوده. يظلّ أسير سؤال: لماذا فعلت ذلك؟ ولو أنّني تصرّفت بطريقة أخرى، ماذا كان سيحدث؟ وكأنّه يستطيع بإرهاق نفسه أن يعود بالزمن، أو يُعيد كتابة ما مضى.

لكنّ الحقيقة أنّ الماضي لا يعود، وأنّ استنزاف الحاضر في محاكمة الأمس لا يُصلح ما انكسر، بل يضيف إلى خساراتنا خسارةً جديدة، هي خسارة السلام الداخلي.

ومن أوجه التصالح مع الذات أن نتوقّف عن الاعتذار لأنفسنا عن كوننا مختلفين، وعن الشعور بالذنب لأنّنا لم نُرضِ الجميع، أو لأنّنا اخترنا طريقًا لا يشبه اختيارات الآخرين؛ فليس مطلوبًا منّا أن نكون نسخةً ترضي كل من حولنا، ولا أن نُضحّي براحتنا في سبيل الحفاظ على صورةٍ مثالية في أعين الناس. ثمة فرقٌ كبير بين أن نراجع أنفسنا احترامًا للآخرين، وبين أن نُهمل أنفسنا كي لا يغضبوا منّا.

والتصالح مع الذات يعني أيضًا أن نغفر لأنفسنا ما لم نكن نعرفه حينها، وأن نرحم ذلك الإنسان الذي كنّاه في مرحلةٍ سابقة؛ الإنسان الذي اتخذ قراراته وفق ما كان يملك من وعيٍ وتجارب وقدرة؛ فلا ينبغي أن نحاكم أنفسنا القديمة بعقولنا الجديدة، ولا أن نطلب من نسختنا التي كانت تتعثّر أن تمتلك خبرة النسخة التي تعلّمت من السقوط.

أن نتغيّر بدافع المحبّة

ولعلّ من أكثر ما يُعيق هذه المصالحة أن نقضي أعمارنا في مقارنة كواليس حياتنا بمشاهد الآخرين المعلنة؛ فنرى نجاحاتهم ولا نرى أثمانها، ونقيس تأخّرنا بخطواتهم، وننسى أنّ لكل إنسان توقيته الخاص، ومعاركه التي لا تظهر للعيان، وأبوابًا فُتحت له وأخرى ما زالت مغلقة في وجهه. ليست الحياة سباقًا موحّدًا، ولا تتشابه بدايات الناس حتى نُطالب أنفسنا بالوصول إلى النهايات ذاتها.

إنّ السلام مع الذات لا يعني أن نكفّ عن الطموح، أو نتخلّى عن رغبتنا في التغيير، بل أن نتغيّر بدافع المحبّة لأنفسنا، لا بدافع كراهيتنا لها. أن نسعى إلى الأفضل لأنّنا نستحقّ حياةً أفضل، لا لأنّنا نحتقر ما نحن عليه الآن؛ فهناك فرقٌ بين إنسانٍ يعمل على تطوير نفسه إيمانًا بقدرته على النمو، وآخر يركض بلا توقّف هربًا من شعوره بأنّه لا يكفي.

وليس كلّ ما نخسره يستحقّ أن نحزن عليه إلى الأبد، وليس كلّ من يغادر حياتنا يأخذ معه جزءًا من قيمتنا، وليس كلّ بابٍ أُغلق في وجوهنا دليلًا على أنّنا لم نكن جديرين بالعبور منه. أحيانًا تكون المصالحة مع الذات أن نتقبّل ما لم نستطع تغييره، وأن نُدرك أنّ بعض النهايات لم تكن في أيدينا، وأنّ بعض الخيبات لم تكن انعكاسًا لنقصٍ فينا، بل كانت نتيجةً لطبيعة الحياة وتقلباتها واختلاف البشر.

أن نكون ملاذًا آمنًا لأنفسنا

رياضة المشي والتأمل
أجمل ما يمكن أن نصل إليه هو أن نكون ملاذًا آمنًا لأنفسنا

وفي نهاية المطاف، لعلّ أجمل ما يمكن أن نصل إليه هو أن نكون ملاذًا آمنًا لأنفسنا، لا سجنًا نهرب منه، وأن نُحسن الإصغاء إلى أرواحنا بدلًا من إسكاتها باللوم، وأن نمنحها حقّ التعب بعد طول مقاومة، وحقّ البداية من جديد بعد كل عثرة.

فالتصالح مع الذات رحلةٌ نتعلّم فيها، يومًا بعد يوم، كيف نكون أكثر صدقًا مع أنفسنا، وأقلّ قسوةً عليها.

فلا تجعل من نفسك عدوًّا يلاحقك طوال العمر؛ يكفيك ما في الحياة من معارك، ولا ينبغي أن تكون أنت المعركة والخصم في آنٍ واحد.

اترك تعليقا

إعلان

↑