العرب في بريطانيا | باتمان لندن.. قناع هوليودي لمواجهة غلاء المعيشة

قناع هوليودي لمحاربة الجوكر المتوحش بلندن

قناع هوليودي لمحاربة الجوكر المتوحش بلندن | مقال محمد لعتابي

قناع هوليودي لمحاربة الجوكر المتوحش بلندن | مقال محمد لعتابي

محمد لعتابي أكتوبر 31, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

منذ نحو شهر، تجوب شوارع العاصمة البريطانية شخصية مقنّعة ترتدي زي بطل القصص المصورة الشهير «باتمان»، مطلقةً سلسلة من المبادرات التي تستهدف مساعدة السكان في مواجهة أزمة غلاء المعيشة الطاحنة. بدأت القصة بحملة لتنظيف شوارع حي «تاور هاملتس» من القمامة، حيث ظهر الرجل المقنّع بصوت أجش ولكنة أمريكية مصطنعة، قائلًا لمتابعيه عبر مقاطع وسائل التواصل الاجتماعي: «حين قلت إنني أريد إنقاذ لندن، كنت أعني ذلك».

ولم تتوقف أفعاله عند رفع النفايات، بل امتدت إلى تسديد غرامات وقوف السيارات عن زوار المرضى في المستشفيات، وتوزيع وقود مجاني بقيمة تجاوزت 3,500 باوند في يوم واحد، وبيع وجبات ساخنة مقابل باوند واحد فقط. وفي لقاء مقتضب ومحاط بالسرية مع مراسل هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في أحد الأزقة المظلمة، لخّص دوافعه بعبارة واحدة: «الناس يعانون، وأريد مساعدتهم».

قناع يحمي الأبرياء

File:San Diego Comic-Con 2024 Masquerade - Cosplay of Batman 3.jpg
باتمان| الصورة : ويكميديا File:San Diego Comic-Con 2024 Masquerade – Cosplay of Batman 3.jpg

تعيدني هذه الواقعة المدهشة فورًا إلى الجذور الأولى التي انطلقت منها شخصية «باتمان» الأصلية، ذلك البطل الذي ابتكره بوب كين وبيل فينغر، وظهر لأول مرة في مايو/أيار 1939 على صفحات مجلة «ديتكتيف كومكس».

لقد وُلد باتمان غوثام من رحم مأساة دموية وتقلبات نفسية قاهرة، حين شهد الطفل بروس واين مقتل والديه بوحشية أمام عينيه في زقاق مظلم. تحولت تلك الصدمة المرعبة والمكبوتات النفسية العميقة إلى دافع وقائي وحمائي جبار، جعله يكرس حياته وثروته لمحاربة الجريمة واجتثاث الفساد من مدينته. كان دافعه الانتصار للعدالة، وتحويل الألم الشخصي إلى درع يحمي به الأبرياء.

وهنا يبرز التساؤل الملح: ما الدوافع الحقيقية وراء ظهور «باتمان لندن»؟ هل عاش هذا الرجل المقنّع اضطرابات نفسية وأحداثًا قاهرة جعلته يحوّل غضبه ومكبوتاته إلى أفعال تنموية لحماية المجتمع من براثن الفقر؟ أم أننا أمام عبقرية تسويقية تستغل شخصية سينمائية محبوبة لتسليط الضوء على أزمات اجتماعية، وربما لتحقيق مكاسب رقمية وشهرة واسعة يتعاطف معها الجمهور؟

من شاشات السينما نحو شوارع لندن

بالمقارنة بين الشخصيتين، نجد أن باتمان الأصلي حارب «الجوكر» وعصابات المافيا المتوحشة في شوارع غوثام، بينما يحارب باتمان لندن وحش التضخم، وفواتير الطاقة، ونظام غرامات المرور القاسي. من الناحية النفسية، يتكئ الأول على صدمة اليتم، بينما يتكئ الثاني، على الأرجح، على أزمة الوعي الجمعي والشعور بالعجز أمام آلة الاقتصاد الرأسمالي. أما إعلاميًّا، فقد خرج باتمان الأصلي من صفحات المجلات المعتمة وشاشات السينما، لينبعث باتمان لندن من عدسات الهواتف الذكية وخوارزميات «تيك توك»، مستغلًّا الثقافة الشعبية (Pop Culture) لصناعة أثر اجتماعي ملموس.

يطرح هذا المشهد إشكالية أعمق: هل بتنا نحتاج حقًّا إلى استدعاء شخصيات هوليودية مقنّعة لنعبّر عن تضامننا الإنساني ونوقف زحف الفساد الإداري والتدهور المعيشي في المشهد البريطاني؟ إن استغلال الرموز السينمائية لصناعة الأثر الحميد يعكس حالة من اليأس من الحلول السياسية التقليدية، وبحثًا عن «مُخلّص» خارق يستطيع كسر القواعد الروتينية لتقديم حلول فورية، حتى لو كانت مجرد خزان وقود مجاني أو وجبة رخيصة.

باتمانات جديدة

إن نجاح هذه الظاهرة في لفت الانتباه يدعونا إلى تخيل ولادة «باتمانات» جديدة في جميع المدن البريطانية، لا يقتصر دورها على تنظيف الشوارع أو دفع الغرامات، بل يمتد إلى صناعة وعي يحمي المجتمع من أمراضه الأشد فتكًا. نحن بحاجة إلى باتمان حقيقي يدافع عن القضايا الإنسانية العادلة، ويقف كدرع لحماية المهاجرين من تغوّل اليمين المتطرف، ويتصدى لعصابات الكراهية التي تستهدف النساء المسلمات بسبب لباسهن الديني وانتمائهن العرقي. نحتاج أبطالًا يرسخون قاعدة أن العداء يجب أن يُوجَّه إلى الفعل المُجرَّم، لا إلى الهوية والانتماء.

نرفع وردة حمراء لـ«باتمان لندن»، تقديرًا لغوصه في وحل المعاناة اليومية للناس ومحاولته رسم ابتسامة وسط الضباب الاقتصادي، ونبقى في انتظار أن تسقط الأقنعة لتتحول هذه الشجاعة الفردية إلى وعي مجتمعي شامل، يفرز أبطالًا حقيقيين بوجوه مكشوفة، يدافعون عن كرامة الإنسان وتماسك المجتمع في كل زقاق وشارع.

اترك تعليقا

إعلان

↑