عودة تاريخية أم فوز منقوص؟ هكذا قرأ الإعلام البريطاني انتصار لولا في البرازيل
عودة تاريخية أم فوز منقوص؟ هكذا قرأ الإعلام البريطاني انتصار لولا في البرازيل
بين الاحتفاء بعودة تاريخية لليسار والتحذير من كونغرس يهيمن عليه اليمين واقتصاد مثقل بالديون، تباينت قراءة وسائل الإعلام البريطانية لفوز الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رابعة، بعد تغلبه على مرشح اليمين المتطرف فلافيو بولسونارو في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية.
وحصل لولا على 51.79 في المئة من الأصوات، مقابل 48.21 في المئة لبولسونارو، متقدمًا عليه بنحو 4.4 ملايين صوت، في أول مرة منذ عودة الديمقراطية إلى البرازيل عام 1985 يتمكن فيها المرشح الخاسر في الجولة الأولى من قلب النتيجة والفوز في الجولة الثانية.
ورغم اتفاق الصحف والقنوات البريطانية على وصف النتيجة بأنها عودة سياسية استثنائية، اختلفت في تحديد معناها: هل أوقفت موجة صعود اليمين المتطرف في أمريكا اللاتينية، أم منحت لولا الرئاسة دون أن تمنحه الأدوات اللازمة للحكم؟
الغارديان: هزيمة للإنكارية واليمين المتطرف

صورة توضيحية (AI)
قدمت صحيفة «الغارديان» النتيجة بوصفها «انقلابًا تاريخيًا» حققه لولا على منافسه المنتمي إلى اليمين المتطرف، وركزت على الطابع الاستثنائي لعودته بعد خسارته الجولة الأولى وتقدّم بولسونارو عليه في معظم استطلاعات الرأي قبل الاقتراع.
واستعادت الصحيفة وصف لولا فوزه بأنه «هزيمة للإنكارية»، وربطت النتيجة بالدفاع عن الدستور والمؤسسات الديمقراطية والخدمات العامة وحماية البيئة، في مواجهة الحركة الشعبوية التي أسسها الرئيس السابق جايير بولسونارو وورثها نجله فلافيو.
وفي تحليل آخر بعنوان «البرازيل تبقى على اليسار»، رأت الغارديان أن فوز لولا يوفر قدرًا من الاستقرار ويضمن، في المدى القصير على الأقل، استمرار المسار الديمقراطي وسياسات حماية غابات الأمازون والسكان الأصليين ومكافحة التعدين غير القانوني.
ووضعت الصحيفة الفوز كذلك في سياق دولي أوسع، معتبرة أنه يحرم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من حليف جديد في أكبر دول أمريكا اللاتينية، ويبعث برسالة مضادة إلى صعود اليمين المتشدد في المنطقة.
لكن قراءة «الغارديان» لم تكن احتفالية بلا تحفظ؛ فقد أشارت إلى أن الحركة البولسونارية أصبحت راسخة داخل المجتمع البرازيلي، مستفيدة من توسع الكنائس الإنجيلية والمخاوف المتعلقة بالجريمة والنفوذ المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي.
بي بي سي: عودة درامية وبلد منقسم
اختارت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» عنوانًا يلخص التناقض الرئيس في النتيجة: «لولا يفوز بولاية رابعة، لكنه يواجه كونغرسًا معاديًا وبلدًا منقسمًا».
وركزت في تغطيتها على أن لولا نجح خلال ثلاثة أسابيع فقط في محو فارق الجولة الأولى، مستفيدًا من ارتفاع نسبة المشاركة وتعبئة الناخبين الشباب والفئات الأقل دخلًا، إلى جانب حملة أكثر نشاطًا عبر المنصات الرقمية.
ورأت «بي بي سي» أن النتيجة خالفت اتجاهًا إقليميًا عاقب خلاله الناخبون الحكومات القائمة واتجهت دول كبيرة في أمريكا اللاتينية نحو اليمين.
إلا أن فارق الأصوات المحدود، وحصول بولسونارو على أكثر من 59 مليون صوت، يعنيان أن البرازيل لا تزال منقسمة تقريبًا إلى نصفين سياسيين، وأن خسارة اليمين للرئاسة لم تُنهِ «البولسونارية» بوصفها قوة اجتماعية وانتخابية.
فايننشال تايمز: أعظم انتصارات لولا يليه «صداع عميق»
قدمت صحيفة «فايننشال تايمز» فوز لولا بوصفه أعظم انتصار سياسي في مسيرته الممتدة لنحو خمسة عقود، بعدما تجاوز خسارته الجولة الأولى وفارقًا بلغ 2.2 مليون صوت، لينهي الجولة الثانية متقدمًا بنحو 4.4 ملايين.
لكن الصحيفة انتقلت سريعًا من لحظة الانتصار إلى ما وصفته بـ«الصداع العميق» الذي ينتظر الرئيس في ولايته الجديدة.
وتمثلت المشكلة الأولى في الاقتصاد؛ إذ يواجه لولا دينًا عامًا مرشحًا للارتفاع، وعجزًا كبيرًا في الموازنة، وأسعار فائدة حقيقية مرتفعة تثقل كاهل الأسر والشركات وتحد من الاستثمار.
كما طرحت الصحيفة تساؤلات عن كيفية تمويل وعوده الانتخابية، ومنها زيادة مخصصات برنامجه الاجتماعي الرئيس بنسبة 15 في المئة، وتوفير النقل العام المجاني خلال عطلات نهاية الأسبوع.
وحذرت من أن استمرار الإنفاق دون معالجة الاختلالات المالية قد يهز ثقة الأسواق، وأن نجاح الولاية الرابعة سيتوقف على قدرة لولا على الجمع بين التزاماته الاجتماعية والبراغماتية الاقتصادية التي ميزت فترات سابقة من حكمه.
وبهذه القراءة، لم تشكك «فايننشال تايمز» في أهمية الفوز، لكنها فصلت بوضوح بين براعة لولا الانتخابية وقدرته المقبلة على إدارة الدولة.
التايمز: بولسونارو خسر الرئاسة وربح الكونغرس

كانت صحيفة «التايمز» أكثر مباشرة في وصف حدود الانتصار، تحت عنوان: «لولا يفوز لكن حلفاء بولسونارو يسيطرون على مفاصل السلطة».
وأشارت إلى أن الحزب الليبرالي الذي ينتمي إليه بولسونارو أصبح أكبر الأحزاب في مجلسي البرلمان، فيما تسيطر القوى المحافظة مجتمعة على نحو 60 في المئة من مقاعد مجلس النواب.
وتمنح هذه الخريطة خصوم لولا القدرة على تعطيل مشروعات القوانين والتأثير في الموازنة والتعيينات المهمة، وتجبر الرئيس على بناء تحالفات مع أحزاب الوسط واليمين لتمرير برنامجه.
ومن ثم، رأت «التايمز» أن لولا ثبّت مكانته بين أهم الشخصيات السياسية في تاريخ البرازيل الحديث، لكنه يدخل ولايته الرابعة بسلطة أضعف من تلك التي يوحي بها الفوز بالرئاسة.
وهنا يظهر معنى «الفوز المنقوص»: ليس انتقاصًا من شرعية النتيجة، بل وصف للفجوة بين امتلاك المنصب وامتلاك القوة السياسية اللازمة لاستخدامه.
الإندبندنت: صدمة إقليمية وأسواق قلقة
وصفت صحيفة «الإندبندنت» فوز لولا بأنه نتيجة سترسل «موجات صادمة» عبر أمريكا الجنوبية، نظرًا إلى أنها أوقفت تقدم مرشح كان يأمل في إحياء حركة والده اليمينية المتطرفة وتوثيق علاقة البرازيل بإدارة ترامب.
وركزت الصحيفة على رفض فلافيو بولسونارو الاعتراف بالنتيجة واعتزامه طلب إبطال الانتخابات، بسبب قرار المحكمة العليا تمديد التصويت ساعتين.
لكنها لفتت إلى أن حملة بولسونارو نفسها طلبت تمديد الاقتراع بسبب الأمطار في المناطق الجنوبية المؤيدة لها، وأن خسارته بأكثر من أربعة ملايين صوت تجعل قلب النتيجة قضائيًا احتمالًا ضعيفًا.
كما ربطت «الإندبندنت» رفض بولسونارو بالمسار الذي اتبعه والده بعد هزيمته أمام لولا عام 2022، قبل إدانته لاحقًا بالتخطيط لانقلاب للبقاء في السلطة.
وفي الوقت نفسه، اهتمت الصحيفة برد فعل الأسواق، مشيرة إلى أن المستثمرين كانوا يراهنون على تغيير الحكومة، وأن فوز لولا قد يفتح أسبوعًا من التقلبات في الأسهم وقيمة الريال البرازيلي.
سكاي نيوز: راحة لخصوم ترامب وقلق في واشنطن
ركزت «سكاي نيوز» على بُعدين: مفاجأة النتيجة بعد فشل استطلاعات الرأي في توقعها، ورفض بولسونارو التسليم بالهزيمة.
ورأت أن الفوز سيمنح شعورًا بالارتياح لمنتقدي ترامب، بينما سيُستقبل بخيبة أمل في واشنطن، في ظل انتقادات لولا المتكررة للرئيس الأمريكي ورفضه أن تصبح البرازيل تابعة للولايات المتحدة.
لكن القناة أبرزت أيضًا ضيق الفارق والسباق المتقارب، ما يعزز صورة بلد شديد الانقسام، ويجعل الاعتراض على النتيجة نقطة التوتر الأولى في مرحلة ما بعد الانتخابات.
احتفاء بالفوز وتشكيك في القدرة على الحكم
تكشف التغطية البريطانية عن قدر واسع من الاتفاق بشأن الطبيعة التاريخية لفوز لولا: عودة من خلف منافسه، وولاية رابعة غير مسبوقة، وانتصار على امتداد عائلي لحركة يمينية متطرفة هددت المؤسسات الديمقراطية البرازيلية.
لكن هذا الاتفاق ينقسم بعد لحظة إعلان النتيجة؛ فبينما رأت «الغارديان» في الفوز حماية للديمقراطية والبيئة وصدًّا لموجة اليمين الموالي لترامب، نقلت «فايننشال تايمز» و«التايمز» مركز الاهتمام إلى الاقتصاد والكونغرس المحافظ والقيود المفروضة على سلطة الرئيس.
أما «بي بي سي» و«الإندبندنت» و«سكاي نيوز»، فجمعت بين الإقرار بحجم العودة التاريخية والتحذير من انقسام البلاد ورفض بولسونارو الاعتراف بالهزيمة.
وهكذا بدا لولا في الإعلام البريطاني فائزًا بلا جدال في صندوق الاقتراع، لكنه لم يفز بعد بالمعركة الأصعب: تحويل عودته التاريخية إلى قدرة فعلية على الحكم في بلد منقسم، وبرلمان يميني، واقتصاد لا يمنح المنتصرين شهر عسل طويلًا.
الرابط المختصر هنا ⬇