العرب في بريطانيا | قوارب الموت عبر القنال الإنجليزي: لماذا يهرب ال...

قوارب الموت عبر القنال الإنجليزي: لماذا يهرب الناس من أوطانهم ومن المسؤول عن مآسيهم؟

قوارب الموت عبر القنال الإنجليزي: لماذا يهرب الناس من أوطانهم ومن المسؤول عن مآسيهم؟
عدنان حميدان أكتوبر 15, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في كل مرة يصل فيها قارب صغير إلى الشواطئ البريطانية، حاملًا رجالًا ونساءً وأطفالًا عبر القنال الإنجليزي، يتجدد الجدل بشأن الهجرة واللجوء، وتتعالى الأصوات المطالبة بتشديد الحدود ومنع القوارب. لكن وسط هذا الضجيج السياسي، ثمة سؤال جوهري يستحق أن يسبق كل الأسئلة الأخرى: ما الذي يدفع إنسانًا إلى المخاطرة بحياته وحياة أطفاله في رحلة بحرية قد تنتهي بالغرق، بدلًا من البقاء في وطنه؟

لا يترك الإنسان بيته وأهله وذكرياته بسهولة، ولا يضع حياته في يد مهرّب إلا حين تضيق أمامه الخيارات. صحيح أن دوافع الهجرة متعددة، فمن الناس من يبحث عن فرص اقتصادية أو تعليمية أفضل، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين من يختار الرحيل لتحسين ظروفه، ومن يضطر إليه هربًا من الحرب أو الاضطهاد أو الاستبداد أو انعدام الأمان.

بالنسبة إلى هؤلاء، لا تكون الهجرة مجرد بحث عن الرفاهية، بل محاولة للنجاة. فحين يصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية، ويغدو المنزل غير آمن، والمستقبل غامضًا، قد يبدو البحر، رغم مخاطره، أقل قسوة من البقاء. والقارب هنا ليس بداية الحكاية، بل فصلها الأخير؛ أما الحكاية الحقيقية فتبدأ في بلد فقد فيه الإنسان حقه في الحياة الكريمة.

لماذا بريطانيا؟

لماذا يصر بعض المهاجرين على الوصول إلى بريطانيا، رغم المخاطر التي يواجهونها؟ لا توجد إجابة واحدة، فالأسباب تتفاوت بين الروابط العائلية والاجتماعية، ومعرفة اللغة الإنجليزية، وفرص العمل والتعليم، والصورة التي يحملها كثيرون عن بريطانيا باعتبارها دولة ذات تقاليد برلمانية وقانونية راسخة، ومؤسسات يُفترض أن تحمي الحقوق والحريات.

كما ترك التاريخ الاستعماري والعلاقات الثقافية والسياسية القديمة روابط ممتدة بين بريطانيا ومناطق واسعة من العالم، ساهمت في تشكيل مسارات الهجرة وتفضيلات بعض المهاجرين.

لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن بريطانيا ليست جنة خالية من المشكلات؛ فأزمة السكن وغلاء المعيشة وصعوبات الاندماج وتأخر البت في طلبات اللجوء حقائق يواجهها كثيرون. ومع ذلك، فإن الأمل في الأمان والاستقرار والكرامة يظل دافعًا قويًا لمن فقدوا هذه المقومات في أوطانهم.

ومن حق بريطانيا أن تنظم حدودها، وأن تواجه شبكات التهريب، وأن تدير مواردها وخدماتها العامة. لكن ذلك لا يعفيها من التزاماتها القانونية والإنسانية تجاه طالبي الحماية، ولا يجعل من المقبول اختزال جميع المهاجرين في صورة واحدة، أو التعامل مع مآسيهم باعتبارها مجرد أزمة حدود.

مسؤولية الغرب عن صناعة الأزمات

لا يمكن فهم الهجرة بمعزل عن الحروب والتدخلات العسكرية والتحالفات السياسية وتجارة السلاح والتنافس على ثروات الشعوب. وهنا تبرز مسؤولية القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، ثم بريطانيا، عن آثار سياساتها الخارجية في عدد من مناطق العالم.

لقد أظهرت حرب العراق عام 2003، التي قادتها الولايات المتحدة بمشاركة بريطانيا، كيف يمكن للتدخل العسكري أن يخلّف تداعيات عميقة على استقرار دولة ومجتمع بأسرهما. وفي مناطق أخرى، أسهم الدعم السياسي والعسكري لأطراف في نزاعات، أو استمرار التعاون مع أنظمة سلطوية، في تعقيد أزمات كان المدنيون أول ضحاياها.

ولا تقتصر المسألة على الحروب المباشرة؛ فتصدير السلاح إلى أطراف قد تستخدمه في انتهاكات، وتغليب المصالح التجارية والاستراتيجية على حقوق الإنسان، ودعم حكومات تقمع شعوبها حفاظًا على المصالح، كلها قضايا تستحق المساءلة.

كذلك عانت دول عديدة من آثار الاستعمار والعلاقات الاقتصادية غير المتكافئة، ومن استغلال الموارد والتحالفات بين مصالح خارجية ونخب محلية فاسدة. ولا يعني ذلك أن الغرب مسؤول وحده عن أزمات العالم، أو أن الحكومات المحلية معفاة من مسؤولياتها؛ فالاستبداد والفساد وسوء الإدارة عوامل أساسية أيضًا. لكن الإنصاف يقتضي مساءلة كل طرف أسهم في إنتاج الأزمات أو إطالة أمدها، أو استفاد من استمرارها.

وهنا تكمن المفارقة: قد تسهم سياسات دولية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في خلق ظروف تدفع الناس إلى الفرار، ثم يتحول وصول هؤلاء إلى الدول الغنية إلى أزمة سياسية داخلها. فبدلًا من الاكتفاء بالسؤال عن كيفية منع القوارب، ينبغي أن نسأل أيضًا عن السياسات التي جعلت ركوبها خيارًا يراود اليائسين.

لو وجدوا الأمان في أوطانهم

إن معالجة الهجرة لا تبدأ عند الحدود وحدها، بل من العمل على معالجة أسبابها: وقف الحروب، ودعم الحلول السياسية، ومحاسبة منتهكي حقوق الإنسان، وضبط تجارة السلاح، واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها والاستفادة من ثرواتها.

ليس مطلوبًا من بريطانيا أن تفتح حدودها بلا ضوابط، وليس من العدل تحميلها وحدها مسؤولية أزمات العالم. لكن من حقنا أن نطالبها، هي والولايات المتحدة وسائر القوى الكبرى، بسياسات أكثر اتساقًا مع المبادئ التي تعلن الدفاع عنها، وألا تتقدم المصالح الاقتصادية والاستراتيجية على حياة البشر وحقوقهم.

كما أن الدفاع عن اللاجئين لا يعني تبرئة الأنظمة التي دفعتهم إلى الرحيل، أو تجاهل مسؤولية الجماعات المسلحة والنخب الفاسدة. بل يعني رفض الظلم أيًا كان مصدره، وعدم تحميل الضحايا وحدهم ثمن صراعات لم يختاروها.

فلنتخيل أبًا يحمل طفله في قارب متهالك، وأمًا تضم رضيعها وسط الأمواج، وشابًا يحدق في الأفق ولا يعرف إن كان سيصل إلى الشاطئ أم سيجد الموت في الطريق. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات الهجرة، بل بشر لهم أحلام وبيوت وذكريات، وربما لم يغادروا أوطانهم إلا بعدما فقدوا القدرة على حماية أنفسهم وأبنائهم فيها.

إن أفضل سياسة للحد من قوارب الموت ليست فقط منعها من الوصول إلى بريطانيا، بل العمل على ألا يضطر الناس إلى ركوبها أصلًا.

فلو وجد الناس الأمان والحرية والعدالة في أوطانهم، ولو استطاعوا العيش من خيرات بلادهم وبناء مستقبل لأبنائهم، لما اضطر كثيرون منهم إلى ترك كل ما يعرفونه والمغامرة بحياتهم عبر القنال الإنجليزي.

إن الشعوب المظلومة لا تطلب المستحيل؛ إنها تطلب حقها في الحياة الكريمة. وإذا عجز العالم عن ضمان هذا الحق، فلا ينبغي أن يندهش حين يطرق أبناؤها أبواب البلدان البعيدة؛ بحثًا عما حُرموا منه في أوطانهم.


 

اترك تعليقا

↑