العرب في بريطانيا | سجن الزمن

سجن الزمن

سجن الزمن

سجن الزمن

رشيد غلام أكتوبر 10, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

أكبرُ ما يُرهق الإنسانَ ليس فقرًا ولا مرضًا؛ إنه زمنُه. ذلك السائلُ الذي لا يُقبَض، والظلُّ الذي لا يفارق. يحمله حيث سار: ماضٍ يجرّ خلفه سلاسلَ الذكرى، ومستقبلٌ يفتح فمه كغولٍ من الغيب، وحاضرٌ واقفٌ بينهما كيتيمٍ على قارعة الطريق، لا يلتفت إليه أحد. ويظنّ المسكين أنه يحمل الأيام، والأيامُ هي التي تحمله… إلى حيث لا يدري.

الماضي حين يصير قيدًا

الماضي ذاكرة. والذاكرة نعمةٌ إذا صارت درسًا، ونقمةٌ إذا صارت قيدًا. كم من إنسانٍ يجرّ خلفه أطلالَ ما فات، ويحسب أن الندم يعيد ما انكسر، وأن الحسرة تشفي ما جُرح! هيهات. الزمن لا يعود، والماء لا يصعد إلى منبعه.

وليست الحكمة في نسيان الأمس، فالنسيان لا يُطلب طلبًا، وإنما في ألّا نجعله سجنًا. ما مضى مات، ولم يبقَ لنا منه إلا أثرُه في العقل والقلب؛ فلنأخذ الأثر، ولنترك الأطلال للريح.

المستقبل الذي يسرق الحاضر

والمستقبل؟ غيبٌ مطويّ، لا يملك الإنسان منه إلا الظنّ. والخوف من المجهول لا يصنع علمًا، لكنه يسرق يقين الحاضر. من عاش على أطراف الغد، مات في قلب اليوم جوعًا.

أما القلق فلا يفتح بابًا إلى الغد؛ هو نافذةٌ مفتوحة على العدم، تدخل منها الريح ولا يدخل منها شيء.

الأرض الوحيدة تحت قدميك

وبين حسرةٍ على ما فات وخوفٍ ممّا سيأتي، يضيع الحاضر، وهو الأرض الوحيدة التي تقف عليها قدماك. الحاضر هو المِلك الحقيقي: ما قبله صكٌّ انتهى، وما بعده وعدٌ لم يُوقَّع.

فالإنسان لا يسكن أمسَه ولا غدَه، بل يسكن ساعتَه. أما الزمن الذي نحمله على ظهورنا فشيءٌ آخر. هو وهمٌ حين نظنّ أننا نعيشه جملةً، ونحن لا نعيشه إلا أنفاسًا. وهو حجابٌ حين يصرفنا عن صفاء اللحظة. وهو قيدٌ حين يشدّنا إلى ما لا نملك.

إذا ملكت آنك ملكت عمرك

فاعمُرْ آنَك الذي بين يديك: بفعلٍ صالح، ونيّةٍ صافية، وحبٍّ حاضر، وشكرٍ على نعمة الوجود وتوالي الألطاف عليك. لا تنتظر غدًا لتبدأ، ولا تجلس على أطلال الأمس لتبكي. إنّ الحاضر فرصتك؛ فاجعل من لحظتك مصباحًا، ومن يومك جسرًا إلى ما تحب. الحياة ليست ما مضى، ولا ما سيأتي؛ الحياة ما تُبدعه الآن.

فإذا ملكتَ آنَك ملكتَ عمرك. وإذا عمّرته لم يعد الزمن قيدًا، بل صار جناحًا، وصارت فسحة الوقت التي تعيشها، مهما ضاقت، فرصةً لا تتكرّر.

اترك تعليقا

↑