العرب في بريطانيا | حين يتقدم العلم وتتراجع الأخلاق

حين يتقدم العلم وتتراجع الأخلاق

WhatsApp Image 2026-10-07 at 8.22.44 AM
أحمد النشاش أكتوبر 7, 2026
شارك

لم يشهد تاريخ البشرية عصرًا بلغ فيه الإنسان من القدرة على فهم الطبيعة وتسخير قواها ما بلغه في العصر الحديث.

فخلال بضعة قرون، انتقل الإنسان من وسائل بدائية في النقل والإنتاج والعلاج إلى عالم يستطيع فيه أن يعالج أمراضًا كانت تزهق أرواح الملايين، وأن ينقل صوته وصورته إلى أقصى الأرض في لحظات، وأن يطير في السماء، ويغوص في أعماق البحار، ويرسل مركبات إلى الفضاء، ويستعين بآلات قادرة على معالجة كميات هائلة من المعلومات في أجزاء من الثانية. كان هذا التقدم في جانب كبير منه انتصارًا للإنسان على المرض والفقر والجهل وصعوبة الحياة. لكن التاريخ نفسه يضع أمامنا مفارقة مخيفة:

الإنسان الذي تعلم كيف ينقذ حياة الإنسان، تعلم في الوقت نفسه كيف يقتل الإنسان على نطاق لم يعرفه التاريخ من قبل. وهنا يبدأ السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: هل المشكلة في العلم والتقدم العلمي، أم في الطريقة التي يختار بها الإنسان استخدام ما اكتشفه؟

لنأخذ الطب مثالًا.

في عام 1928 اكتشف ألكسندر فليمنغ خصائص البنسلين المضادة للبكتيريا، ثم جاءت أعمال هوارد فلوري وإرنست تشين وغيرهما لتحويل الاكتشاف إلى دواء يمكن إنتاجه على نطاق واسع. وبحلول عام 1943 أصبح إنتاج البنسلين كافيًا لتلبية احتياجات القوات الحليفة، وأسهم في تغيير علاج الالتهابات البكتيرية وإنقاذ أعداد هائلة من الأرواح. وتشير المراجع الطبية إلى أن اكتشاف البنسلين واستخدامه أنقذا ملايين الأرواح، وأسسا لعصر المضادات الحيوية. (PubMed Central (PMC))، إنها واحدة من أجمل صور العلم عندما يكون في خدمة الإنسان.

ولم يكن البنسلين وحده. فالتقدم في اللقاحات، والصرف الصحي، والتخدير، والجراحة، والتصوير الطبي، وعلاج الأمراض المزمنة، وغيرها من مجالات الطب، أدى إلى تغير جذري في متوسط العمر ونوعية الحياة في أجزاء واسعة من العالم.

ثم جاء العلم والصناعة ليغيّرا وجه الحياة اليومية. الكهرباء جعلت الليل نهارًا، وشغلت المستشفيات والمصانع والمنازل.

الآلة البخارية والثورة الصناعية غيّرتا الإنتاج والنقل.

القطار والسيارة والطائرة اختصرت المسافات وقرّبت المدن والشعوب.

الثلاجة ساعدت على حفظ الطعام، والغاز والطاقة الحديثة جعلا إعداد الطعام والتدفئة أكثر سهولة.

واكتشاف النفط واستخدامه على نطاق واسع أصبحا جزءًا أساسيًا من الاقتصاد والصناعة والنقل في العالم الحديث.

ثم جاءت الاتصالات، والحاسوب، والإنترنت، والهواتف الذكية، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي.

كل ذلك كان، في جانب كبير منه، محاولة لجعل حياة الإنسان أسهل وأطول وأكثر راحة.

لكن هناك وجهًا آخر لهذه القصة، وذلك عندما دخل العلم ميدان الحرب.

المشكلة لم تبدأ عندما اكتشف الإنسان العلم. المشكلة بدأت عندما لم يعد السؤال: كيف أستخدم المعرفة لخدمة الإنسان؟

بل أصبح: كيف أستخدم المعرفة للتغلب على خصمي، ولو أدى ذلك إلى قتله؟

وهنا حدث التحول؛ فالصناعة التي رفعت الإنتاج أصبحت قادرة أيضًا على إنتاج الأسلحة بأعداد هائلة، والكيمياء التي ساهمت في صناعة الأدوية والمواد النافعة دخلت ميدان الحرب.

وفي الحرب العالمية الأولى، شهد العالم أول استخدام واسع النطاق للأسلحة الكيميائية في ساحات القتال الحديثة. ووفق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، أُطلق خلال الحرب أكثر من 124 ألف طن من العوامل الكيميائية، وتسببت هذه الأسلحة في وفاة أكثر من 90 ألف جندي، في حين تعرض نحو مليون آخرين لإصابات وآثار صحية خطِرة. (OPCW)

يا لها من مفارقة! الكيمياء التي يمكن أن تساعد في إنتاج الدواء، أصبحت أيضًا وسيلة لإنتاج السم.

ثم تطورت الحرب أكثر، أصبحت المصانع جزءًا من آلة الحرب، وأصبحت القدرة الصناعية للدولة عاملًا أساسيًا في قدرتها على الاستمرار في القتال، ولم تعد الحرب مواجهة محدودة بين جيوش في ساحات بعيدة عن المدن، بل أصبحت المدن نفسها أهدافًا، وأصبح المدنيون يدفعون ثمنًا متزايدًا.

الحرب التي أصبحت صناعة

جاءت الحرب العالمية الثانية لتكشف حجم التحول بصورة أكثر وضوحًا، فقد قدرت إحدى الموسوعات عدد ضحايا الحرب العالمية الثانية بنحو 55 مليون إنسان حول العالم، مع اختلاف التقديرات التاريخية بحسَب المصادر والمنهج المستخدم في حساب الخسائر. ويصفها المتحف بأنها أكبر الحروب وأكثرها تدميرًا في التاريخ.
خمسة وخمسون مليون إنسان! وراء هذا الرقم أسر، وأطفال، وشيوخ، وشباب، ومدن دمرت، ومجتمعات تغيرت إلى الأبد، وفي الوقت الذي كان فيه العلماء والأطباء يعملون على إنقاذ حياة الجرحى باستخدام البنسلين، كان علماء ومهندسون آخرون يعملون على تطوير وسائل أكثر فتكًا لتدمير المدن والجيوش.

في المختبر نفسه الذي يمكن أن يكون فيه العلم طريقًا إلى إنقاذ حياة إنسان، يمكن أن يكون العلم في مختبر آخر طريقًا إلى اختراع وسيلة تقتل آلاف البشر.

ثم جاءت القنبلة التي غيرت معنى القوة

لكن التحول الأكبر جاء مع اكتشاف الطاقة النووية، لم يكن اكتشاف أسرار الذرة شرًا في ذاته؛ فالطاقة النووية لها استخدامات سلمية في إنتاج الطاقة، وفي الطب، وفي البحث العلمي، وفي مجالات أخرى, لكن المعرفة نفسها التي فتحت أبوابًا جديدة أمام البشرية فتحت أيضًا بابًا إلى أخطر سلاح عرفه الإنسان.

في السادس من أغسطس 1945 ألقت الولايات المتحدة أول قنبلة ذرية مستخدمة في الحرب على هيروشيما، ثم ألقت قنبلة ثانية على ناغازاكي في التاسع من أغسطس، وتقدر مدينة هيروشيما رسميًا أن نحو 140 ألف شخص كانوا قد ماتوا بحلول نهاية ديسمبر 1945 نتيجة القصف وآثاره، مع تأكيدها أن الرقم الدقيق للضحايا غير معروف. (Hiroshima City)

لم تكن المأساة مجرد انفجار لحظي؛ فالإشعاع ترك آثارًا امتدت إلى ما بعد لحظة الانفجار، وأصبح الناجون يحملون آثار التجربة لسنوات طويلة، وهنا تغير معنى القوة مرة أخرى، لم تعد الدولة القوية هي الدولة التي تستطيع هزيمة جيش آخر فقط، بل أصبح الإنسان قادرًا على امتلاك سلاح يستطيع تدمير مدينة بأسرها في لحظات.

سباق لم ينتهِ

كان من الممكن أن تكون تجربة هيروشيما وناغازاكي نقطة النهاية، لكنها أصبحت، بصورة مأساوية، بداية عصر جديد من سباق التسلح النووي، وخلال الحرب الباردة، طورت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ترسانات ضخمة، ثم دخلت دول أخرى النادي النووي. واليوم، بعد أكثر من ثمانين عامًا على هيروشيما، لا يزال العالم يعيش تحت ظل هذه الأسلحة.

ووفق أحدث تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، كان لدى الدول التسع المسلحة نوويًا في يناير 2026 ما يقدر بنحو 12,187 رأسًا نوويًا، منها نحو 9,745 رأسًا في مخزونات عسكرية يمكن استخدامها، وكان نحو 4,012 رأسًا منتشرًا مع الصواريخ والطائرات.

إن مجرد وجود هذه الترسانات يضع البشرية أمام سؤال أخلاقي وحضاري بالغ الخطورة:

إذا كان الإنسان قد اكتشف سلاحًا يمكن أن يؤدي استخدامه على نطاق واسع إلى كارثة عالمية، فهل مجرد امتلاك القدرة يعني أننا أصبحنا أكثر تقدمًا، أم أن التقدم الحقيقي يجب أن يقاس أيضًا بقدرتنا على ضبط القوة التي نملكها؟

كم ننفق على القوة؟

المفارقة لا تتوقف عند السلاح النووي، فوفق بيانات SIPRI، بلغ الإنفاق العسكري العالمي في عام 2025 نحو 2.887 تريليون دولار، بزيادة حقيقية قدرها 2.9% عن العام السابق، وكانت تلك السنة الحادية عشرة على التوالي التي يرتفع فيها الإنفاق العسكري العالمي. وبلغت حصة الإنفاق العسكري نحو 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. (SIPRI)

هذه أرقام يصعب على الإنسان العادي أن يتخيل حجمها، نحن نتحدث عن تريليونات من الدولارات تنفق كل عام على الجيوش والأسلحة والاستعداد للحرب، بينما لا تزال البشرية تواجه الفقر والجوع والأمراض والنزوح ومشكلات التعليم والمياه والطاقة، ولا يعني ذلك أن الدفاع عن الشعوب أو حماية الدول أمر غير مشروع أو غير ضروري، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو:

متى تتحول الحاجة إلى الدفاع إلى سباق لا نهاية له نحو امتلاك قوة أكبر، وسلاح أكثر تطورًا، وقدرة أعظم على التدمير؟

والمفارقة الجديدة: الذكاء الاصطناعي

والآن نقف أمام مرحلة جديدة ربما تكون أكثر تعقيدًا من كل ما سبق. إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون من أعظم إنجازات الإنسان، يمكن أن يساعد الطبيب على تحليل الصور الطبية، ويمكن أن يساعد الباحث في اكتشاف الأدوية، ويمكن أن يساعد المعلم في التعليم، والمهندس في التصميم، والمزارع في تحسين الإنتاج، والإنسان العادي في الوصول إلى المعرفة، لكن التكنولوجيا نفسها يمكن أن تدخل في المجال العسكري، وهنا تعود المفارقة مرة أخرى.

الآلة التي يمكن أن تساعد الطبيب في إنقاذ حياة مريض، يمكن أن تدخل في منظومة عسكرية لتحديد هدف.

النظام الذي يستطيع تحليل ملايين المعلومات لمساعدة الإنسان، يمكن أن يستخدم أيضًا في تطوير أدوات الحرب.

والتقنية التي يمكن أن تجعل العالم أكثر اتصالًا، يمكن أن تجعل الحرب أسرع وأكثر دقة وأقل اعتمادًا على القرار البشري المباشر.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:

إذا أصبح الإنسان قادرًا على إعطاء الآلة قدرة متزايدة على اتخاذ قرارات في بيئة الحرب، فأين تبدأ مسؤولية الإنسان وأين تنتهي؟ ومن يملك الحق في أن يقرر مصير إنسان آخر؟

إلى أين يأخذنا هذا الطريق؟

ليست المشكلة في أن الإنسان اكتشف الكهرباء، وليست المشكلة في الطائرة، وليست المشكلة في الطاقة النووية، وليست المشكلة في الذكاء الاصطناعي، فكل هذه الاكتشافات يمكن أن تحمل للبشرية خيرًا عظيمًا، المشكلة تبدأ عندما تصبح القدرة العلمية منفصلة عن المسؤولية الأخلاقية.

فالسكين يمكن أن يقطع الخبز، ويمكن أن يقتل, والطائرة يمكن أن تحمل مريضًا إلى المستشفى، ويمكن أن تحمل القنابل، والطاقة النووية يمكن أن تنتج الكهرباء، ويمكن أن تتحول إلى سلاح، والذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الطبيب، ويمكن أن يصبح جزءًا من منظومة حرب.

إذن ليست القضية: هل العلم خير أم شر؟ فهذا سؤال خاطئ.

السؤال الحقيقي هو: من يحدد غاية العلم؟ ومن يضع الحدود لاستخدام قوته؟ وما المعيار الذي يمنع الإنسان من تحويل أعظم إنجازاته إلى أدوات لتدمير نفسه؟

وهنا نصل إلى واحدة من أخطر مشكلات الحضارة الحديثة.

لقد أصبح الإنسان أكثر قدرة على الفعل، لكن هل أصبح بالقدر نفسه أكثر قدرة على ضبط نفسه؟

لقد تعلم كيف يصل إلى القمر، وكيف يفكك الذرة، وكيف يجعل الآلة تتعلم، وكيف يصنع أسلحة قادرة على تدمير مدينة في دقائق، لكن هل تعلم بالقدر نفسه كيف يمنع نفسه من استخدام هذه القوة عندما يكون استخدامها ظلمًا أو تدميرًا؟

ربما تكون هذه هي المفارقة الكبرى في عصرنا: لقد تقدم العلم بسرعة مذهلة، لكن السؤال الأخلاقي لم يتقدم بالسرعة نفسها.

وإذا كان العلم قد أعطى الإنسان قوة لم يمتلكها أسلافه، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل البشرية ليس فقط: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل؟

وإنما: ماذا ينبغي للإنسان أن يفعل؟

ذلك هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عنه في المقال القادم.

فإذا كان العلم قد منح الإنسان القدرة، فمن أين تأتي البوصلة التي توجه هذه القدرة؟

وهنا تبدأ رحلة البحث عن رؤية أخلاقية وحضارية تستطيع أن تجعل التقدم العلمي في خدمة الإنسان، لا الإنسان في خدمة التقدم.


 

 

اترك تعليقا

↑