العرب في بريطانيا | المعارك التي اختارك الله لها

المعارك التي اختارك الله لها

المعارك التي اختارك الله لها
أميرة عليان تبلو أكتوبر 5, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

سبحانه، ما أعظمه! لا يختار لك معركةً إلا ليكشف لك ما لم تكن تعرفه عن نفسك، ولا يضع في طريقك امتحانًا إلا وفيك من القدرة على اجتيازه ما قد لا تراه أنت، وإن رأيتَ في البداية أن الطريق أكبر من احتمالك، وأن الحمل أثقل من كتفيك، وأنك وصلت إلى تلك النقطة التي لم يعد في وسعك معها أن تقول: «أستطيع».

نحن، في لحظات الضعف، ننظر إلى المعركة من داخلها؛ فنرى اتساعها ولا نرى نهايتها، نرى الألم ولا نرى الحكمة، نرى الأبواب وهي تُغلق في وجوهنا ولا نرى الباب الذي يُفتح في جهة أخرى. ولأن الإنسان ابن اللحظة، فإنه كثيرًا ما يظن أن ما يؤلمه الآن هو كل الحكاية، بينما تكون الحياة، في حقيقتها، تكتب له فصلًا لم يتعلم بعد كيف يقرأه.

كم من معركةٍ تمنّينا ألّا نخوضها، ثم اكتشفنا بعد سنوات أنها كانت الطريق الوحيد الذي كان يمكن أن يقودنا إلى أنفسنا.

وكم من خسارةٍ بكيناها طويلًا، ثم عرفنا أن بعض الخسارات لم تكن نهاية شيء، بل بداية نجاة.

وكم من بابٍ أُغلق في وجوهنا، فظنناه ظلمًا، ثم اكتشفنا أن وراءه طريقًا لو دخلناه لأضعنا أعوامًا من أعمارنا.

لهذا، ليست كل معركةٍ عقوبة، وليس كل تأخيرٍ حرمانًا، وليس كل سقوطٍ هزيمة.

أحيانًا، تكون المعركة تربيةً خفية.

يضعك الله أمام ما تخشاه، ليعلّمك أنك أقوى مما كنت تظن. يتركك في طريقٍ شاق، لأن فيك شيئًا لا يمكن أن ينضج إلا تحت وطأة التجربة. فبعض الصفات لا تولد في الراحة؛ الصبر لا يعرف نفسه إلا حين يطول الانتظار، والثبات لا يظهر إلا حين تتكاثر أسباب السقوط، والتوكل لا يصبح حقيقةً في القلب إلا حين تنقطع الحبال التي ظننت يومًا أنها مصدر نجاتك.

نحن نريد الحياة كما نرسمها في مخيلتنا: طريقًا مستقيمًا، قليل المنعطفات، واضح النهايات. نريد أن نعرف لماذا حدث هذا، ومتى سينتهي، وما الذي سيأتي بعده. لكن الحياة لا تمنحنا دائمًا هذه الإجابات.

وقد تكون الحكمة كلها في ألّا نعرف.

فلو عرفنا نهاية كل طريق، لما تعلّمنا معنى السير. ولو عرفنا سبب كل ألم قبل وقوعه، لما احتجنا إلى الصبر. ولو عرفنا أن كل ما نفقده سيُعوَّض، لما عرفنا حقيقة التعلق بالله.

هناك معارك تدخلها وأنت تظن أنك تقاتل الظروف، ثم تكتشف في نهايتها أنك كنت تقاتل نسخةً قديمةً منك.

نسخةً كانت تخاف كثيرًا.

نسخةً كانت تستمد قيمتها من الناس.

نسخةً كانت تظن أن الأمان في المال، أو في الأشخاص، أو في استقرار الأشياء.

نسخةً لم تكن تعرف كيف تقف وحدها.

ثم تأتي الحياة، بكل قسوتها، فتأخذ منك شيئًا تظنه ضروريًا، لتريك أن في داخلك مساحةً أكبر مما كنت تعرف.

وهنا يصبح الألم معلّمًا.

ليس لأن الألم جميل، ولا لأن علينا أن نحب الوجع، ولكن لأن الإنسان لا يخرج من التجربة كما دخلها. هناك شيء ما يتغير في أعماقه. نظرته إلى الناس تتغير، أولوياته تتغير، تعريفه للنجاح يتغير، وحتى الأشياء التي كان يظن أنه لا يستطيع العيش من دونها، قد تصبح بعد المعركة أشياء عابرة لا تستحق كل ذلك التعلق.

وما أغرب الإنسان حين يكتشف متأخرًا أن بعض ما كان يطلبه بشدة لم يكن خيرًا له، وأن بعض ما كان يبكي لأنه لم يحصل عليه كان نجاته الحقيقية.

لذلك، حين تضيق بك معركةٌ ما اسأل نفسك: «ماذا يريد الله أن يعلّمني من خلال هذا؟»

فالأسئلة تغيّر طريقة رؤيتنا للألم.

قد لا تستطيع تغيير ما حدث، لكنك تستطيع أن تغيّر المعنى الذي تمنحه لما حدث.

وهذه من أعظم قوى الإنسان: أن يحوّل الجرح إلى بصيرة، والخسارة إلى حكمة، والسقوط إلى بداية، والخوف إلى شجاعة.

ليس المطلوب أن تكون قويًا طوال الوقت.

حتى الأقوياء يبكون.

حتى المؤمنون يضعفون.

حتى الذين نراهم صامدين قد تكون في داخلهم معارك لا يعلم بها أحد.

لكن القوة الحقيقية أن تعرف كيف تعود إلى الله كلما انكسرت.

وهنا يبدأ معنى آخر للقوة؛ قوة الاستناد إلى من لا يسقط.

فإذا اختارك الله لمعركة، فلا يعني ذلك أنك لن تتعب، ولا يعني أنك لن تبكي، ولا يعني أنك لن تمر بلحظات تقول فيها: «يا رب، متى ينتهي هذا؟»

لكنه يعني أن هذه الرحلة يمكن أن تكون بابًا إلى شيء أعمق فيك، وأنك قادر ـ بإذن الله ـ على أن تعبرها يومًا، ولو لم تعرف الآن كيف.

تأمل الأشجار في الشتاء؛ تبدو كأنها فقدت كل شيء، أغصان عارية، أوراق ساقطة، وسكون يشبه الموت. لكن الحياة لا تكون قد غادرتها. هناك شيء يحدث في الخفاء، بعيدًا عن العين، استعدادًا لفصل آخر.

وكذلك الإنسان.

قد تمر بك مواسم تشبه الشتاء؛ تتساقط فيها أشياء كثيرة من حولك، أشخاص، أحلام، خطط، يقين، وربما حتى بعض الصور التي رسمتها عن نفسك. لكن لا تستعجل الحكم على حياتك وهي في فصلها الأصعب.

فربما كان ما تسميه اليوم «نهاية» مجرد مرحلة إعداد لبداية لم تكن لتولد لو لم تمر بكل هذا.

سبحانه، ما أعظمه!

يعرف قدرتك حين تجهلها أنت، ويعرف مواضع القوة التي لم تكتشفها بعد، ويعرف أن بعض الأبواب لا تُفتح إلا بعد أن نتعلم الوقوف أمام الأبواب المغلقة دون أن نفقد إيماننا.

فلا تحتقر معركتك، ولا تظن أن تعبك يذهب هباءً.

كل خطوة مشيتها وأنت مكسور، كل مرة قاومت فيها اليأس، كل ليلة رفعت فيها يديك وقلت «يا رب» وأنت لا تعرف ماذا سيحدث غدًا، كانت جزءًا من تشكيلك.

وربما يأتي يوم تنظر فيه إلى الوراء، فتفهم أن المعركة التي كنت تسأل الله أن ينهيها سريعًا كانت هي نفسها التي صنعت منك الإنسان الذي كنت تدعو الله أن تكونه.

عندها فقط ستدرك أن الله لم يضعك في المعركة لأنه أراد لك الهزيمة، وإنّما لأن وراءها درسًا، ونضجًا، وقوةً، وربما نجاةً لم تكن تراها وأنت في قلب العاصفة.

فاثبت؛

لأنك لست وحدك.

ولأن الذي اختار لك الطريق، يعلم الطريق أكثر منك.

ولأن الله سبحانه لا يترك قلبًا علّق رجاءه به.

وإذا ضاقت بك الدنيا يومًا، فتذكّر:

قد لا تكون المعركة دليلًا على أنك ضعيف، فقد تكون الدليل الذي سيكشف لك أنك كنت أقوى بكثير مما ظننت.


 

 

اترك تعليقا

↑