تحليل: من عقوبات المستوطنات إلى رفض الصهيونية.. فلسطين تعيد رسم المسافة بين العمال والخضر
تحليل: من عقوبات المستوطنات إلى رفض الصهيونية.. فلسطين تعيد رسم المسافة بين العمال والخضر
لم تمض سوى أيام على وقوف وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أمام مؤتمر حزب العمال ليقول لملايين البريطانيين الذين خرجوا من أجل فلسطين: «سمعناكم.. كنتم على حق»، حتى نقل حزب الخضر النقاش إلى مكان أبعد بكثير.
ففي مؤتمره السنوي في برايتون، أقر الخضر بأغلبية 1022 صوتًا مقابل 813 سياسة تصف الصهيونية بأنها شكل من أشكال العنصرية، وتعرّفها باعتبارها مشروعًا سياسيًا قوميًا إثنيًا، مع إعادة تأكيد دعم الحزب لحق العودة الفلسطيني، وحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDS، والحظر الكامل للأسلحة على إسرائيل، وإقامة دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية.
القرار أثار خلافًا حادًا داخل الحزب نفسه، واعترض عليه عدد من نوابه وقياداته، كما رفضته مؤسسات يهودية بريطانية واعتبرته معاديًا للسامية. ولم يشارك زعيم الخضر زاك بولانسكي في التصويت، بينما أظهرت استطلاعات «الخضر اليهود» انقسامًا واضحًا بين أعضائها بشأن القرار، رغم أن غالبية المشاركين في استطلاعها لا يعرفون أنفسهم باعتبارهم صهاينة.

لكن الأثر السياسي لقرار حزب الخضر بشأن الصهيونية يتجاوز الخلاف الداخلي حول صياغته.
فبعد أقل من أسبوع على مؤتمر ظهر فيه العمال وكأنه انتقل إلى أحد أكثر المواقف تشددًا تجاه إسرائيل في تاريخ الحكومات البريطانية الحديثة، أصبح الحزب فجأة يقف إلى يمين منافسه الأخضر في واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى جزء من قاعدته الانتخابية.
وهذا قد يغير طبيعة الضغط الذي تمارسه فلسطين على حزب العمال.
قبل أسبوع فقط.. بدا أن العمال هو الذي رفع السقف
كان خطاب ميليباند أمام مؤتمر العمال لافتًا تحديدًا لأنه لم يحاول إنكار حجم الغضب داخل القاعدة الحزبية وخارجها.
قال إن هجوم السابع من أكتوبر لا يمكن أن يبرر المعاناة التي فرضتها حكومة نتنياهو في غزة والضفة الغربية، ثم توجه مباشرة إلى المحتجين والمؤيدين لفلسطين قائلًا: «نسمعكم. كنتم على حق».
بعدها استخدم لغة لم تكن معتادة في الخطاب الحكومي البريطاني: تحدث عن «التطهير العرقي» الذي يرتكبه «إرهابيو المستوطنين» في الضفة الغربية، لكنه لم يستخدم الوصف نفسه لما يجري في غزة، كما امتنع عن وصفه بـ«الإبادة»، واكتفى بالإشارة إلى «أدلة على جرائم حرب» هناك، إلى جانب إدانته الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني لفلسطين.
وأتبع هذه اللغة بإجراءات: حظر مرتقب لمنتجات المستوطنات، واستهداف التمويل والخدمات البريطانية التي تدعم النشاط الاستيطاني، في إطار ما وصفه بأنه تحويل للكلمات إلى أفعال. وفي الوقت نفسه، أكد أن هدف العمال يظل دولتين، «إسرائيل آمنة وفلسطين آمنة»، وأن خلاف الحزب ليس مع شعب إسرائيل وإنما مع أفعال حكومتها.
في ذلك اليوم، كان من الممكن قراءة الخطاب باعتباره محاولة لاستعادة جزء من الثقة التي فقدها العمال بسبب غزة.

فالرسالة لم تكن موجهة إلى نتنياهو فقط؛ كانت موجهة أيضًا إلى الناخب البريطاني الذي شارك في المسيرات، وإلى أعضاء الحزب الذين طالبوا بسياسة أكثر صرامة، وإلى ناخبين مسلمين وتقدميين انتقل بعضهم إلى الخضر أو المستقلين بسبب موقف الحكومة السابق.
وقد ظهرت مؤشرات على أن استراتيجية آندي بيرنهام بدأت تنجح في استعادة جزء من هذا الجمهور. فأظهر استطلاع أوبينيوم في سبتمبر/أيلول أن نسبة ناخبي العمال السابقين الذين كانوا يعتزمون الانتقال إلى الخضر انخفضت من 18.5 في المئة إلى 8 في المئة منذ وصول بيرنهام إلى رئاسة الحكومة، بالتزامن مع تحركه إلى اليسار في ملفات بينها العقوبات على المستوطنات.
لكن مؤتمر الخضر أعاد تحريك خط المقارنة.
الخلاف لم يعد حول مقدار العقوبة فقط

الأهمية الحقيقية لقرار الخضر أنه لا يطالب العمال ببضع عقوبات إضافية، ولا يختلف معه فقط حول سرعة تنفيذ الإجراءات.
إنه يغير موضوع الخلاف نفسه.
فالعمال يفصل في خطابه بين إسرائيل وحكومتها، وبين الدولة والمستوطنات، وبين حق إسرائيل في الأمن وبين الانتهاكات التي يرتكبها نتنياهو. ويرى الحل النهائي في دولتين قوميتين تعيشان جنبًا إلى جنب.
أما السياسة التي أقرها الخضر فتذهب إلى أصل البنية التي يقوم عليها هذا التصور.
هي لا ترى المشكلة محصورة في حكومة نتنياهو أو في مستوطنات الضفة الغربية، وإنما تعرف الصهيونية ذاتها باعتبارها مشروعًا قوميًا إثنيًا عنصريًا، وتنتقل من حل الدولتين إلى دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية، وتدعم BDS والحظر الكامل للأسلحة وحق العودة الفلسطيني.
وهذا فرق في طبيعة الموقف لا في حدته فقط.
فالحزب الذي يريد الضغط على حكومة إسرائيل مع الحفاظ على نموذج الدولتين يستطيع زيادة العقوبات أو توسيعها من دون أن يهدم الأساس النظري لسياسته.
أما اللحاق بالخضر في موقفهم الجديد فيحتاج إلى شيء أكبر بكثير: إعادة تعريف العمال لموقفه من طبيعة إسرائيل نفسها، ومن الصهيونية، ومن شكل التسوية السياسية النهائية.
وهنا يبدأ الضغط الحقيقي.
العمال لم يعد يحتكر موقع «الحزب الذي استمع»
عبارة ميليباند «سمعناكم.. كنتم على حق» كانت قوية لأنها حاولت إنهاء مرحلة كاملة من الصدام بين العمال وحركة التضامن مع فلسطين.
كان معناها السياسي أن الحكومة اعترفت بأن المحتجين الذين وُصف بعضهم لسنوات بالتطرف أو المبالغة كانوا يرون شيئًا رفضت السياسة الرسمية رؤيته بالوضوح نفسه.
لكن الخضر يستطيعون الآن الرد بسؤال مختلف: إذا كانوا على حق، فما النتائج التي يفترض أن تترتب على ذلك؟ خاصة أن ناشطين مؤيدين لفلسطين كان يتم اعتقالهم خارج المؤتمر الذي أكد فيه ميليباند إنه يسمعهم.
فالناخب المؤيد لفلسطين لم يعد يقارن موقف العمال اليوم بموقفه في بداية حرب غزة فقط.
أصبح أمامه حزب آخر يقول صراحة إن الحرب إبادة، ويدعو إلى حظر كامل للأسلحة، ويدعم المقاطعة، ويرفض الصهيونية نفسها، ويتبنى دولة واحدة ديمقراطية في فلسطين التاريخية.
وهذا يعني أن انتقال العمال إلى موقف أكثر صرامة قد لا ينهي المنافسة على هذه الكتلة الانتخابية، بل ربما يرفع توقعاتها.
والمفارقة أن نجاح بيرنهام في تحريك الحزب يسارًا هو نفسه ما يجعل المقارنة الجديدة ممكنة.
فعندما كان الفارق بين العمال والخضر واسعًا للغاية، كان الاختلاف بديهيًا. أما الآن، وبعد أن تبنى العمال لغة أقوى وعقوبات أوسع، يصبح السؤال أكثر تحديدًا: أين يتوقف العمال وأين يكمل الخضر؟
أول اختبار بعد ثلاثة أيام
لن تبقى هذه المنافسة نظرية طويلًا.
ففي الثامن من أكتوبر/تشرين الأول، يخوض بولانسكي انتخابات فرعية في هولبورن وسانت بانكراس، المقعد السابق لكير ستارمر، في مواجهة مرشحة العمال سغال عبد الولي.
وفلسطين موجودة بالفعل في قلب الحملة.
تشكل الجالية المسلمة نحو 16 في المئة من سكان كامدن، ويستهدف الخضر صراحة الناخبين الذين ابتعدوا عن العمال بسبب غزة. وقد نقلت «ذا ناشيونال» عن أحد السكان قرب مسجد الرحمن قوله إن المنطقة ستصوت للخضر بسبب موقف العمال من «الإبادة»، فيما جعل بولانسكي فلسطين إحدى القضايا الرئيسية في حملته.
لا يمكن اختزال الانتخابات كلها في غزة؛ الإسكان وكلفة المعيشة والخدمات المحلية وشخصية المرشحين ستؤثر أيضًا. كما أن هولبورن وسانت بانكراس ليست نموذجًا كاملًا لبريطانيا.
لكن توقيت الاقتراع يمنحه قيمة سياسية خاصة.
فالناخبون سيذهبون إلى الصناديق بعد أربعة أيام فقط من قرار الخضر، وبعد أقل من أسبوعين من خطاب ميليباند الذي حاول استعادة الثقة مع أنصار فلسطين.
وبالتالي ستكون النتيجة أول مؤشر، وإن لم تكن حكمًا نهائيًا، على سؤال أكبر: هل يستطيع موقف العمال الجديد استعادة الناخب المؤيد لفلسطين، أم أن تحرك الخضر إلى موقع أبعد أعاد فتح المسافة بين الحزبين؟
لكن الخضر يخاطرون أيضًا
رفع السقف لا يعني بالضرورة أن الخضر سيكسبون السباق السياسي تلقائيًا.
فالقرار نفسه كشف انقسامًا حقيقيًا داخل الحزب.
عارضه عدد من نواب الخضر وشخصيات بارزة، بينما أظهرت مشاورات «الخضر اليهود» أن أعضاءها منقسمون بشأنه، وأن 68 في المئة ممن شاركوا في استطلاع المجموعة أبدوا قلقًا من أثره في فرص الحزب الانتخابية. وفي الوقت نفسه، قال 81 في المئة إنهم لا يعرفون أنفسهم باعتبارهم صهاينة، ما يكشف أن الخلاف داخل الحزب لا يمكن اختزاله ببساطة في مواجهة بين يهود وصهاينة من جهة ومؤيدين لفلسطين من جهة أخرى.
وهذا يخلق مخاطرة انتخابية واضحة.
لذلك فإن قرار المؤتمر يفعل شيئين في الوقت نفسه: يضغط على العمال من اليسار، لكنه يرفع أيضًا كلفة موقع الخضر نفسه.
فلسطين تغيّر خط الانقسام على اليسار

وهنا قد تكون الدلالة الأوسع لقرار برايتون.
لسنوات، كان يمكن التمييز بين العمال والخضر أساسًا من خلال قضايا البيئة والإنفاق العام والضرائب والملكية العامة وسرعة التحول الاقتصادي.
أما فلسطين فتخلق اليوم خطًا آخر للانقسام.
هل المشكلة في المستوطنات أم في المشروع الذي أنتجها؟ هل المطلوب الضغط على حكومة إسرائيل أم مقاطعة الدولة؟ هل الحل دولتان أم دولة واحدة؟ هل يكفي تقييد صادرات السلاح أم ينبغي وقفها بالكامل؟ وهل يمكن فصل الصهيونية عن النظام الذي تعرض له الفلسطينيون منذ النكبة؟
هذه لم تعد أسئلة تدور فقط داخل الحركات التضامنية أو الجامعات والنقابات.
دخلت الآن إلى برامج الأحزاب التي تتنافس على الأصوات نفسها.
والخضر لم ينتظروا حتى يستقر العمال في موقعه الجديد. فبعد أيام من قول ميليباند للمتظاهرين «كنتم على حق»، وضعوا أمام هؤلاء المتظاهرين عرضًا سياسيًا أبعد كثيرًا مما تستطيع الحكومة الحالية تقديمه.
وهذا لا يعني أن ناخبي فلسطين سينتقلون تلقائيًا إلى الخضر، ولا أن قرار «الصهيونية عنصرية» سيمنح الحزب مكاسب انتخابية صافية. الانقسام الداخلي الذي سببه القرار يكفي لإظهار أن كلفته قد تكون كبيرة أيضًا.
لكنه يعني أن السقف الذي سيُقاس إليه موقف العمال قد تغير.
كان السؤال خلال السنوات الماضية إلى أي مدى يستطيع الضغط الشعبي دفع حزب العمال بعيدًا عن سياسته القديمة تجاه إسرائيل.
أما بعد مؤتمر الخضر، فقد يصبح السؤال مختلفًا:
إلى أي مدى يستطيع العمال التحرك نحو الناخب المؤيد لفلسطين، عندما أصبح منافسه على هذا الناخب مستعدًا للذهاب إلى مكان لا يبدو أن العمال يستطيع، أو يريد، الوصول إليه؟
والاختبار الأول سيأتي بعد أيام في هولبورن وسانت بانكراس. أما الأثر الأوسع، فلن تحسمه انتخابات واحدة؛ سيتحدد بما إذا كان قرار الخضر مجرد موقف متقدم داخل حزب صغير، أم بداية لتحول يجعل فلسطين واحدة من القضايا التي تعيد رسم الحدود السياسية بين حزبي اليسار البريطاني.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇