توسعة مطار هيثرو ستكون كارثة مكلفة.. ويجب على بيرنهام إيقافها
توسعة مطار هيثرو ستكون كارثة مكلفة.. ويجب على برنهام إيقافها
يتعارض إنشاء مدرج ثالث مع كل منطق. وإذا أردنا إعطاء الأولوية لحياة البشر على «النمو» القصير الأجل، فعلينا أن نستخدم الطائرات أقل، لا أكثر.
إذا أُنشئ مدرج ثالث في مطار هيثرو، فما أثر ذلك في ثروة البلاد؟ سيكلفنا ما يتراوح بين 23.4 و62.5 مليار باوند. وهذه ليست أرقامي، ولم تحسبها جماعات بيئية، بل وزارة النقل.
على مدى عقود، أخبرنا وزراء الحكومات بأن توسعة المطارات ضرورية لتحقيق «النمو». وعندما كانت راشيل ريفز وزيرة للخزانة، زعمت أن إنشاء مدرج ثالث في هيثرو سيضيف 0.43 في المئة إلى الناتج المحلي الإجمالي، ثم اكتشفنا لاحقًا أن هذه الأرقام جاءت من تقرير أعد بتكليف من المطار.
أما تحليل وزارة النقل نفسها، فخلص إلى أن الزيادة الحقيقية في الناتج المحلي الإجمالي ستتراوح بين 0.03 و0.05 في المئة؛ أي أقل بما يتراوح بين ثماني مرات و14 مرة. وعندما وازنت الوزارة هذه الزيادة بالتكاليف الاجتماعية والبيئية للمشروع، تبين أن النتيجة ستكون خسارة صافية هائلة.
ووجد التحليل أن إنشاء مدرج ثالث سيلحق أضرارًا جسيمة بصحة ما يصل إلى ثلاثة ملايين من السكان المحليين ورفاههم.

لكن حتى هذه الأرقام لا تعكس الصورة كاملة. فالانهيار المناخي الذي سيتسبب فيه المدرج يؤثر في الكوكب بأسره، ومع ذلك لا تُحتسب التكاليف التي ستتحملها الدول الأخرى. لذلك يتعين علينا أن نسأل مجددًا: لماذا تؤيد الحكومة المشروع؟
أم أنها لا تؤيده؟
فعلى الرغم من أن توسعة هيثرو لا تزال سياسة رسمية، قال آندي بيرنهام، عندما سئل عنها في عطلة نهاية الأسبوع، إن إنشاء المدرج «محل خلاف»، وإنه «في الأساس مسألة تخص لندن ونوابها». ويبدو هذا باعثًا على الأمل.
وعلمنا أيضًا أن المشروع تأجل مرة أخرى. فعلى الرغم من إعلان مطار هيثرو العام الماضي أن خططه «جاهزة للتنفيذ»، فإنه يقر الآن بأن إنشاء المدرج سيستغرق أربع سنوات أطول مما زعم، وأن الموعد المتوقع لإنجازه أصبح عام 2039.
وبحلول ذلك الوقت، أو هكذا ينبغي أن نأمل، ربما تكون إحدى الحكومات قد قررت التعامل بجدية مع التأثير المناخي. وإذا حدث ذلك، فسيتعين إغلاق المدرج الجديد فور افتتاحه.
وفي خلاف ذلك، ووفقًا للجنة تغير المناخ التابعة للحكومة، فإن «جميع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون تقريبًا في عام 2050 ستأتي من الطيران».
وتقول اللجنة إن توسعة هيثرو وحدها ستتسبب، بحلول عام 2054، في انبعاثات كربونية تفوق ما يصدر عن «أي قطاع آخر من قطاعات الاقتصاد».
وحتى هذا لا يمثل نهاية الأمر. فاللجنة لا تأخذ في الحسبان سوى ثاني أكسيد الكربون الذي تنتجه الطائرات، بينما تفوقه الآثار الأخرى خطورة.
وتشير ورقة بحثية نشرتها دورية «أتْموسفيريك إنفايرومنت» إلى أن أكاسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون والسخام والمركبات العضوية المتطايرة وبخار الماء وغيرها من المركبات التي تطلقها الطائرات أو تتشكل بسببها في الطبقات العليا من التروبوسفير والسفلى من الستراتوسفير، ترفع الاحترار الناجم عن الطيران بنسبة 115 في المئة على مدى مئة عام. أما على مدى 20 عامًا، فترفعه بنسبة مذهلة تبلغ 517 في المئة.
ونظرًا إلى احتمال اقتراب أنظمة حيوية على كوكب الأرض من نقاط التحول الحرجة، وإلى أن الاحترار الحالي يؤدي إلى إطلاق مزيد من غازات الدفيئة من الغابات والأراضي الرطبة والتربة الصقيعية، فإن أفق العشرين عامًا بالغ الأهمية.
لكن هذه المركبات الأخرى لا تؤخذ في الحسبان، لا في المعاهدات الدولية ولا في قانون تغير المناخ البريطاني. ولذلك يجري رسميًا التقليل من تأثير الطيران بدرجة هائلة.
وفي حين يمكن الحد بدرجة كبيرة من آثار الاحترار الناجمة عن جميع القطاعات الأخرى تقريبًا باستخدام التكنولوجيا، لا توجد ببساطة حلول جيدة لقطاع الطيران.
وقد بررت الحكومات المتعاقبة خطط توسعة المطارات بوعد استخدام «وقود الطيران المستدام». ويقصدون بذلك، في الأغلب، تحويل الكتلة الحيوية إلى كيروسين، وهو أسوأ حتى من استخدام الوقود الأحفوري.
وإذا أُريد لهذا البديل أن يبلغ أي نطاق واسع، فإما أن يبتلع الأراضي الزراعية القائمة، فيؤدي إلى تفاقم الجوع، أو يدفع إلى توسيع الرقعة الزراعية على حساب الغابات والأراضي الرطبة وغيرها من الموائل الطبيعية، ما يسرّع الأزمة البيئية.
ووجد تحليل أجرته الجمعية الملكية أن تلبية الطلب الحالي على الطيران في بريطانيا، بصرف النظر عن أي نمو مستقبلي، باستخدام محاصيل الطاقة «ستتطلب نحو نصف الأراضي الزراعية في المملكة المتحدة». وهذا هو النقيض تمامًا للاستدامة.

وقد يُقصد بـ«وقود الطيران المستدام» أيضًا أنواع الوقود الاصطناعي المصنوعة من ثاني أكسيد الكربون المحتجز والهيدروجين الأخضر. لكن الجمعية الملكية وجدت أن تلبية احتياجات الطيران الحالية ستتطلب استخدام ما بين خمسة وثمانية أمثال إجمالي قدرة بريطانيا الحالية على إنتاج الكهرباء المتجددة.
ومع ذلك، ستظل الطائرات تطلق مزيجًا كيميائيًا قاتلًا في طبقات الجو العليا، لا يقتصر على ثاني أكسيد الكربون، بل يشمل المركبات الأخرى أيضًا، وبذلك لن يُحل سوى جزء ضئيل من المشكلة.
وعلى مستوى العالم، وجدت ورقة بحثية نشرتها دورية «وان إيرث» أنه حتى مع تطبيق برنامج غير واقعي إلى حد بعيد للتغيير التكنولوجي، يتضمن التخلص الكامل من وقود الطائرات الأحفوري بحلول عام 2040، فإن الاحترار العالمي الناجم عن الطيران سيتضاعف بأكثر من مرتين بحلول عام 2070، بسبب الطلب المتزايد.
أما الطائرات التجارية التي تعمل بالهيدروجين أو الأمونيا أو البطاريات، فجميعها تفشل لأسباب تقنية أو متعلقة بالسلامة، حتى قبل أن نتساءل عن مصدر الطاقة.
ولا تعدو «النماذج الأولية» التي لا تكف شركات الطيران عن استعراضها، ولا تتجاوز أبدًا الصور التخيلية التي يرسمها الفنانون، أن تكون مجرد «تقنيات لصناعة الانطباع»، صُممت لحل مشكلات سياسية لا مشكلات تقنية.
وإذا مضت توسعة هيثرو قدمًا، فمن المتوقع أن يرتفع عدد المسافرين في بريطانيا من 299 مليونًا عام 2025 إلى 491 مليونًا عام 2050.
ومع خفض القطاعات الأخرى انبعاثاتها الكربونية، ستواصل نسبة الانهيار المناخي الناجمة عن الطيران الارتفاع، إلى أن تصبح الطائرات مسؤولة عن جميع هذه الآثار تقريبًا.
الاستراتيجية الفعالة الوحيدة هي خفض الطلب. وثمة وسيلة تصاعدية لتحقيق ذلك، هي فرض ضريبة على كثيري السفر بالطائرات.
فثمة ارتباط وثيق بين الثراء وكثرة السفر جوًا. وفي عام 2024، لم يسافر 48 في المئة من سكان إنجلترا بالطائرات على الإطلاق. لكن خمسة في المئة من السكان قاموا بخمس رحلات أو أكثر إلى الخارج، وكانت هذه الفئة مسؤولة عن 33 في المئة من جميع الرحلات.
وكان ارتفاع الطلب مدفوعًا، بصورة شبه كاملة، بكثيري السفر بالطائرات، الذين يتركزون بدرجة كبيرة بين الخُمس الأعلى دخلًا من السكان.
ولن تُفرض الضريبة على أول رحلة يقوم بها الشخص خلال العام، لكنها سترتفع مع كل رحلة إضافية.
وهذا إجراء عادل ومتناسب، ويمكن تطبيقه فورًا، على خلاف كل ذلك الهراء التقني.
وفي خلاف ذلك، سنواصل دعم أقلية ثرية وأنانية بأموالنا وصحتنا ورفاهنا، وبإفساد الكوكب الحي. فأين العدل في ذلك؟
إن ما يكشفه دعم الحكومة لتوسعة المطارات هو أن «النمو» ليس سوى ذريعة لمنح جماعات الضغط القوية ما تريده.
وعندما سُئلت ريفز عما إذا كان النمو أهم من الوصول إلى صافي انبعاثات صفري، أجابت: «حسنًا، إذا كان المهمة الأولى، فمن الواضح أنه الشيء الأكثر أهمية».
وهذه طريقة أخرى للقول إن المال أهم من حياة البشر. لكن الأرقام توضح أن الأمر لم يتعلق بالنمو أصلًا، بل كان دائمًا متعلقًا بتلبية مطالب جماعة الضغط التابعة للمطارات والمسافرين الأثرياء.
والآن ننتظر موقف بيرنهام. هل يستمر فرار العقل؟ أم تتغلب رفاهية البشر والكوكب، أخيرًا، على جماعات الضغط؟
المصدر: الغارديان
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇