حكومة بيرنهام تتراجع عن تقليص المحاكمات أمام هيئة محلفين.. ماذا بقي من إصلاحات المحاكم؟
حكومة بيرنهام تتراجع عن تقليص المحاكمات أمام هيئة محلفين.. ماذا بقي من إصلاحات المحاكم؟ صورة توضيحية (AI)
تراجعت حكومة آندي بيرنهام عن خطة كانت ستسمح بمحاكمة آلاف المتهمين أمام قاضٍ من دون هيئة محلفين، لكنها أبقت على تعديلات أخرى تنقل مزيدًا من القضايا إلى محاكم الصلح وتمنحها صلاحيات أوسع في إصدار أحكام السجن.
وأعلن وزير العدل أليكس نوريس إلغاء مقترح إنشاء دائرة جديدة داخل محاكم التاج تنظر، من دون هيئة محلفين، في القضايا التي يُتوقع ألا تتجاوز عقوبتها السجن ثلاث سنوات.
وكانت الخطة قد طُرحت في عهد حكومة كير ستارمر ضمن مشروع قانون المحاكم والهيئات القضائية، بهدف تقليص تراكم القضايا في إنجلترا وويلز، لكنها واجهت اعتراضات من محامين وقضاة ونواب رأوا فيها تقليصًا لحق تاريخي في المحاكمة أمام هيئة من المواطنين.
وقال نوريس إنه استمع إلى الاعتراضات على توسيع المحاكمات أمام قاضٍ منفرد، وإن تغيير المسار سيسمح للحكومة بتسريع أجزاء أخرى من إصلاح النظام القضائي. ومن المقرر أن يعود مشروع القانون إلى مجلس العموم في 13 أكتوبر/تشرين الأول.
ما الخطة التي ألغتها الحكومة؟
كانت الخطة السابقة تقضي بإنشاء دائرة داخل محكمة التاج يُصدر فيها قاضٍ محترف الحكم في القضية من دون مشاركة هيئة محلفين، إذا كانت العقوبة المتوقعة لا تزيد على ثلاث سنوات.
وكان من الممكن أن تشمل تلك الدائرة قضايا أكثر خطورة من الجرائم البسيطة التي تنظرها محاكم الصلح، مع احتفاظ القضايا الأشد خطورة، مثل القتل والاغتصاب، بالمحاكمة أمام هيئة محلفين.
وبررت حكومة ستارمر المقترح بالحاجة إلى توفير وقت المحاكم وتسريع الفصل في القضايا، مستندة إلى مراجعة أجراها القاضي السابق برايان ليفيسون بشأن أزمة المحاكم الجنائية.
لكن معارضي الخطة قالوا إن هيئات المحلفين ليست السبب الرئيس في تراكم القضايا، وإن الأزمة تعود إلى سنوات من نقص التمويل وإغلاق قاعات المحاكم ونقص القضاة والمحامين وموظفي النظام القضائي.
وبعد تولي بيرنهام رئاسة الحكومة، تصاعدت الضغوط لسحب الخطة، إلى جانب اعتراضات داخل حزب العمال وتهديد بعض النواب بالتصويت ضدها.
هل يعني التراجع بقاء جميع المحاكمات أمام هيئة محلفين؟

لا. فقد ألغت الحكومة التوسع الواسع في المحاكمات أمام قاضٍ منفرد، لكنها لم تتخلَّ عن جميع القيود المقترحة على اللجوء إلى هيئة المحلفين.
وسيظل مشروع القانون يسمح بنظر بعض قضايا الاحتيال والجرائم المالية المعقدة أمام قاضٍ من دون هيئة محلفين، إذا كانت طبيعة القضية الفنية أو طولها يجعلان المحاكمة التقليدية مرهقة.
وتقول الحكومة إن بعض قضايا الاحتيال تستمر شهورًا وتتضمن كميات كبيرة من الوثائق والمعاملات المالية المعقدة، ما يفرض أعباء شخصية ومهنية على أعضاء هيئة المحلفين.
لكن هذا الاستثناء أثار بدوره اعتراضات قانونية، ولا سيما أن فكرة المحاكمات دون هيئة محلفين في قضايا الاحتيال طُرحت مرارًا خلال العقود الماضية من دون أن تصبح ممارسة واسعة.
من يقرر مكان المحاكمة؟

سيحتفظ مشروع القانون بتعديل آخر يتعلق بالجرائم التي يمكن نظرها إما أمام محكمة الصلح وإما أمام محكمة التاج، وهي فئة تشمل جرائم مثل السرقة والاعتداء وبعض مخالفات المخدرات.
ويملك المتهم حاليًا، في عدد من هذه القضايا، حق اختيار المحاكمة أمام هيئة محلفين في محكمة التاج إذا لم يقبل نظرها في محكمة الصلح.
وبموجب التعديل، ستكون للمحكمة الكلمة النهائية في تحديد مكان نظر القضية، ولن يستطيع المتهم نقلها تلقائيًا إلى محكمة التاج باختيار المحاكمة أمام هيئة محلفين.
وتقول وزارة العدل إن الإجراء سيمنع بعض المتهمين في الجرائم الأقل خطورة من اختيار محكمة التاج في محاولة لتأخير القضية أو تفادي حكم سريع بالسجن.
وفي المقابل، ترى هيئات قانونية أن اختيار هيئة المحلفين يمثل ضمانة للمتهم، ولا يجوز تفسير استخدامه باعتباره محاولة لتعطيل النظام القضائي من دون النظر إلى طبيعة كل قضية.
أحكام سجن أطول أمام محاكم الصلح
تعتزم الحكومة كذلك المضي في توسيع صلاحيات محاكم الصلح، التي تنظر القضايا من خلال قاضٍ منفرد أو مجموعة من القضاة غير المتفرغين، من دون هيئة محلفين.
ويتيح مشروع القانون رفع الحد الأقصى للعقوبة التي تستطيع هذه المحاكم إصدارها من 12 شهرًا إلى 18 شهرًا، مع إمكان زيادته لاحقًا إلى عامين من خلال لوائح حكومية.
وترى الحكومة أن الصلاحيات الجديدة ستسمح بحسم مزيد من القضايا داخل محاكم الصلح، بدل إحالتها إلى محاكم التاج لإصدار الحكم، بما يوفر وقت القضاة وهيئات المحلفين.
غير أن بيانات مجلس نقابة المحامين تظهر أن محاكم الصلح تواجه بدورها تراكمًا قياسيًا يتجاوز 380 ألف قضية، بزيادة سنوية بلغت 9 في المئة. ولذلك يحذر معارضو الخطة من أن الحكومة قد تنقل الطابور من مبنى قضائي إلى آخر بدل تقصيره.
ترحيب مشروط من الهيئات القانونية
رحبت نقابة المحامين الجنائيين ومجلس نقابة المحامين وجمعية القانون بالتراجع عن إنشاء دائرة واسعة للمحاكمات دون هيئة محلفين، لكنها حذرت من أن التعديلات المتبقية لا تزال تقلص حق المتهم في اختيار طريقة محاكمته.
وقالت رئيسة مجلس نقابة المحامين كيرستي بريميلو إن منح محاكم الصلح صلاحيات عقابية أكبر، بالتزامن مع حرمان المتهم من اختيار هيئة المحلفين، يمثل تجربة محفوفة بالمخاطر في وقت تعاني فيه السجون والمحاكم من ضغوط متزايدة.
وأشارت إلى أن النساء والسود وذوي الأصول المختلطة وكبار السن يختارون المحاكمة أمام هيئة محلفين بمعدلات أعلى من فئات أخرى، محذرة من أن التعديلات قد تعمق التفاوت القائم وتضعف ثقة الأقليات في النظام القضائي.
وتعهدت الحكومة بإضافة التزام قانوني بإجراء مراجعة مستقلة لتأثير الإصلاحات الهيكلية في الأقليات العرقية والأشخاص من خلفيات مختلفة.
لماذا تريد الحكومة تسريع الإصلاحات؟

بلغ عدد القضايا المنتظرة أمام محاكم التاج في إنجلترا وويلز قرابة 81 ألف قضية، وهو أعلى مستوى مسجل، فيما ظلت نحو ثلث القضايا معلقة لمدة عام أو أكثر.
وأدى التراكم إلى تأجيل بعض المحاكمات لسنوات، بما يترك الضحايا والمتهمين والشهود في انتظار طويل، ويزيد احتمال تراجع الذاكرة أو انسحاب الشهود أو انهيار القضايا قبل نظرها.
وتقول الحكومة إنها ستستثمر في التكنولوجيا وتوفر موارد إضافية للقضاة، إلى جانب استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في جدولة القضايا، وتوسيع الجلسات الافتراضية، وتحسين نقل المتهمين من السجون إلى المحاكم في المواعيد المحددة.
لكن مفوضة الضحايا كلير واكسمان قالت إن سحب أحد العناصر الرئيسة في الخطة يترك سؤالًا بشأن قدرة التدابير المتبقية على معالجة أزمة بهذا الحجم، ودعت الحكومة إلى تقديم إصلاحات تتناسب مع معاناة الضحايا وحجم التراكم.
وسيتضح النطاق النهائي للتعديلات عندما تقدم الحكومة الصيغة المعدلة من مشروع قانون المحاكم والهيئات القضائية إلى مجلس العموم، ثم تنشر ردها الكامل على جزأي مراجعة ليفيسون خلال الأسابيع المقبلة.
وبذلك تكون حكومة بيرنهام قد تراجعت عن أكثر عناصر الخطة السابقة إثارة للجدل، لكنها لم تُعد النظام إلى وضعه القديم بالكامل؛ إذ بقيت صلاحيات أوسع لمحاكم الصلح، وقيود على اختيار هيئة المحلفين، واستثناء يسمح بالمحاكمة أمام قاضٍ منفرد في القضايا المالية المعقدة.
المصدر: الموقع الحكومي الرسمي Gov.UK
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇