العرب في بريطانيا | كيف يعمل النظام الانتخابي في بريطانيا؟ ولماذا ل...

كيف يعمل النظام الانتخابي في بريطانيا؟ ولماذا لا يفوز دائمًا الحزب الأكثر أصواتًا؟

كيف يعمل النظام الانتخابي في بريطانيا؟ ولماذا لا يفوز دائمًا الحزب الأكثر أصواتًا؟
عبلة قوفي أكتوبر 2, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

قد تبدو الانتخابات العامة في بريطانيا شبيهة بالانتخابات في كثير من الدول، إذ يدلي الناخبون بأصواتهم لاختيار ممثليهم في البرلمان، لكن الطريقة التي تتحول بها الأصوات إلى مقاعد تختلف عن أنظمة التمثيل النسبي.

ففي الانتخابات العامة البريطانية، لا يحصل الحزب على مقاعد في مجلس العموم بناءً على مجموع الأصوات التي جمعها على مستوى البلاد، وإنما على عدد الدوائر الانتخابية التي فاز بها مرشحوه.

ولهذا السبب، يمكن لحزب أن يحصل على ملايين الأصوات، لكنه ينتهي بعدد محدود نسبيًا من المقاعد، بينما يحصد حزب آخر عددًا أكبر من المقاعد رغم حصوله على نسبة أقل من الأصوات على المستوى الوطني.

ويُعرف هذا النظام باسم “الفائز الأول” (First Past the Post)، وهو النظام المستخدم لانتخاب أعضاء مجلس العموم البريطاني.

650 دائرة انتخابية.. و650 نائبًا

تنقسم المملكة المتحدة إلى 650 دائرة انتخابية، تنتخب كل واحدة منها نائبًا واحدًا في مجلس العموم.

وعندما يتوجه الناخب إلى مركز الاقتراع في الانتخابات العامة، فإنه يصوت لمرشح واحد في دائرته، وليس لقائمة وطنية للحزب.

وبعد إغلاق صناديق الاقتراع، تُفرز الأصوات في كل دائرة على حدة، ويفوز المرشح الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات، حتى لو لم يحصل على أكثر من 50 في المئة منها.

مثال بسيط

إذا كانت نتيجة إحدى الدوائر على النحو الآتي:

  • المرشح أ: 40 ألف صوت
  • المرشح ب: 35 ألف صوت
  • المرشح ج: 20 ألف صوت
  • المرشح د: 5 آلاف صوت

يفوز المرشح أ بالمقعد لأنه حصل على العدد الأكبر من الأصوات.

ولا يُشترط أن يحصل على 50 في المئة أو أكثر.

وهنا تكمن إحدى أهم خصائص النظام البريطاني: الفوز بالمقعد يعتمد على احتلال المركز الأول في الدائرة، وليس على الحصول على أغلبية الأصوات فيها.

إذن، كيف تتشكل الحكومة؟

بعد إعلان نتائج الدوائر الـ650، تُجمع المقاعد التي حصل عليها كل حزب.

ولا يصوت الناخب البريطاني مباشرة لرئيس الوزراء، بل ينتخب نائبًا يمثل دائرته في مجلس العموم. وبعد الانتخابات، يدعو الملك زعيم الحزب الذي يستطيع الحصول على ثقة مجلس العموم إلى تشكيل الحكومة، ويكون زعيم الحزب صاحب الأغلبية عادةً هو من يتولى رئاسة الوزراء.

وبما أن مجلس العموم يتكون من 650 مقعدًا، فإن الحصول على 326 مقعدًا يعني امتلاك أغلبية المقاعد.

لكن تشكيل الحكومة لا يعتمد فقط على الرقم 326 بصورة آلية؛ فإذا لم يحصل أي حزب على الأغلبية، يصبح العامل الحاسم هو قدرة الحكومة على الحصول على ثقة مجلس العموم.

ماذا يحدث إذا لم يحصل أي حزب على الأغلبية؟

تُعرف هذه الحالة باسم “البرلمان المعلّق” (Hung Parliament).

وفي هذه الحالة، لا يعني حصول حزب على أكبر عدد من المقاعد أنه يستطيع بالضرورة الحكم بمفرده. وتبدأ الأحزاب مفاوضات لمعرفة من يستطيع تشكيل حكومة تحظى بثقة مجلس العموم.

وقد يتم ذلك من خلال ائتلاف رسمي بين حزبين أو أكثر، أو حكومة أقلية تعتمد على اتفاقات مع أحزاب أخرى لضمان الدعم في التصويتات الأساسية.

وكانت انتخابات 2010 مثالًا واضحًا على ذلك، عندما لم يحصل أي حزب على الأغلبية، وانتهت المفاوضات بتشكيل ائتلاف بين حزب المحافظين والديمقراطيين الأحرار. كما أفرزت انتخابات فبراير/شباط 1974 برلمانًا بلا أغلبية مطلقة، وشكل حزب العمال حكومة أقلية في ذلك الوقت.

لماذا لا يفوز الحزب الأكثر أصواتًا دائمًا؟

السبب الرئيسي هو أن الانتخابات البريطانية تتكون عمليًا من 650 سباقًا انتخابيًا منفصلًا.

فالنظام لا يسأل:

“أي حزب حصل على أكبر عدد من الأصوات في بريطانيا؟”

بل يسأل:

“أي مرشح حصل على أكبر عدد من الأصوات في كل دائرة؟”

وهذا الاختلاف يمكن أن يؤدي إلى فجوة كبيرة بين نسبة الأصوات التي يحصل عليها الحزب ونسبة المقاعد التي يفوز بها.

فإذا حصل حزب على نسبة مرتفعة من الأصوات في عدد كبير من الدوائر، لكنه جاء في المركز الثاني فيها، فلن يحصل على مقاعد في تلك الدوائر.

وفي المقابل، يمكن لحزب أن يفوز بعدد كبير من المقاعد إذا احتل المركز الأول في عدد كبير من الدوائر، حتى لو كان الفارق بينه وبين منافسيه محدودًا.

ولهذا فإن مكان توزيع الأصوات لا يقل أهمية عن عددها الإجمالي في نظام “الفائز الأول”. وتوضح مكتبة مجلس العموم أن النظام لا يضمن تطابق نسبة المقاعد التي يحصل عليها الحزب مع نسبة الأصوات التي نالها على المستوى الوطني.

انتخابات 2024.. مثال واضح على الفارق بين الأصوات والمقاعد

أظهرت الانتخابات العامة التي جرت في 4 يوليو/تموز 2024 بصورة واضحة كيف يمكن أن تختلف حصة الأصوات عن حصة المقاعد.

فاز حزب العمال بـ411 مقعدًا، بينما حصل المحافظون على 121 مقعدًا، والديمقراطيون الأحرار على 72 مقعدًا. وحصل حزب “ريفورم يو كيه” على 14.3 في المئة من الأصوات، لكنه فاز بخمسة مقاعد فقط.

كما حصلت أحزاب الخضر مجتمعة على 6.7 في المئة من الأصوات، بينما فاز حزب الخضر في إنجلترا وويلز بأربعة مقاعد.

وبحسب مكتبة مجلس العموم، كانت الفجوة بين حصة الأصوات وحصة المقاعد في انتخابات 2024 هي الأكثر تفاوتًا على الإطلاق وفق المقياس المستخدم في تحليلها.

ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى التوزيع الجغرافي للأصوات.

فالحزب الذي يحصل على نسبة كبيرة من الأصوات في دوائر كثيرة لكنه يأتي ثانيًا فيها، قد ينتهي بعدد قليل من المقاعد.

أما الحزب الذي يفوز بفوارق ضيقة في عدد كبير من الدوائر، فيمكنه الحصول على عدد كبير من المقاعد رغم أن مجموع أصواته الوطني قد يكون أقل.

هل حدث أن حصل حزب على أصوات أكثر لكنه فاز بمقاعد أقل؟

نعم، وهذه ليست ظاهرة جديدة.

تُعد انتخابات 1951 مثالًا تاريخيًا بارزًا؛ فقد حصل حزب العمال على أعلى نسبة من الأصوات، بلغت 48.8 في المئة، لكن المحافظين فازوا بعدد أكبر من المقاعد وشكلوا الحكومة.

وفي انتخابات فبراير/شباط 1974، حصل المحافظون على نسبة أصوات أعلى قليلًا من حزب العمال، لكن حزب العمال أصبح الحزب الأكبر من حيث عدد المقاعد، من دون أن يحصل على أغلبية مطلقة، وشكل حكومة أقلية.

وتوضح هذه الأمثلة أن الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات على المستوى الوطني ليس بالضرورة الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من المقاعد.

ماذا يحدث للأصوات التي تذهب إلى المرشحين الخاسرين؟

في نظام “الفائز الأول”، لا تنتقل أصوات المرشح الخاسر إلى مرشح آخر، ولا تُستخدم لإضافة مقعد للحزب على المستوى الوطني.

فإذا حصل مرشح على 20 ألف صوت وخسر أمام مرشح حصل على 21 ألفًا، فإن المرشح الذي جاء في المركز الأول يحصل على المقعد، بينما لا تتحول أصوات المرشح الخاسر إلى مقعد آخر للحزب.

وهذا لا يعني أن تلك الأصوات “لا قيمة لها” من الناحية الانتخابية، لكنها لا تنتج مقعدًا في تلك الدائرة ما دام المرشح لم يحتل المركز الأول.

لماذا تركز الأحزاب على بعض الدوائر أكثر من غيرها؟

تلعب الدوائر التي يكون فيها الفارق بين المرشحين صغيرًا دورًا مهمًا في الانتخابات البريطانية.

وتُعرف هذه الدوائر عادة باسم “المقاعد الهامشية” (Marginal Seats).

ففي دائرة يفوز فيها مرشح بفارق كبير، قد لا يحتاج الحزب إلى زيادة كبيرة في عدد أصواته للحفاظ على المقعد.

أما في دائرة شديدة التقارب، فقد يؤدي تغير محدود في عدد الأصوات إلى انتقال المقعد من حزب إلى آخر.

ولهذا تركز الحملات الانتخابية على الدوائر التي تكون المنافسة فيها متقاربة، إلى جانب المناطق التي ترى الأحزاب أن لديها فرصة للفوز فيها أو الحفاظ على مقاعدها.

هل يعني ذلك أن كل صوت خارج الدوائر الهامشية لا أهمية له؟

ليس بهذه البساطة.

كل صوت يُحتسب ضمن نتيجة الدائرة التي أدلى فيها الناخب بصوته، لكن تأثيره في النتيجة النهائية للمقعد يختلف بحسب مدى تقارب المنافسة.

فإذا فاز مرشح بفارق عشرات الآلاف من الأصوات، فلن يكون لإضافة بضعة آلاف من الأصوات تأثير في هوية الفائز في تلك الدائرة.

أما في دائرة متقاربة جدًا، فقد يكون عدد محدود من الأصوات حاسمًا في تحديد الفائز.

وهذه إحدى النتائج المباشرة لنظام “الفائز الأول”.

هل تستخدم بريطانيا النظام نفسه في جميع الانتخابات؟

لا.

وهذه نقطة مهمة، لأن عبارة “النظام الانتخابي البريطاني” لا تشير إلى نظام واحد يُستخدم في جميع الانتخابات داخل المملكة المتحدة.

فالانتخابات العامة لمجلس العموم تستخدم نظام “الفائز الأول”، لكن أنظمة مختلفة تُستخدم في انتخابات البرلمانات المفوضة في اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية.

اسكتلندا

تُنتخب أعضاء البرلمان الاسكتلندي باستخدام نظام “الأعضاء الإضافيين” (Additional Member System)، حيث يدلي الناخب بصوت لمرشح في دائرة انتخابية، وصوت آخر لقائمة حزبية أو مرشح إقليمي. وتُستخدم الأصوات الإقليمية لتوزيع مقاعد إضافية بهدف جعل التمثيل أقرب إلى نسبة الأصوات التي تحصل عليها الأحزاب.

ويلز

شهد نظام انتخاب البرلمان الويلزي “السينِد” تغييرًا اعتبارًا من مايو/أيار 2026.

وأصبح السينِد يتكون من 96 عضوًا بدلًا من 60، وقُسمت ويلز إلى 16 دائرة، تنتخب كل دائرة ستة أعضاء.

ويدلي الناخب بصوت واحد لاختيار حزب أو مرشح مستقل، ثم تُوزع المقاعد باستخدام صيغة “دي هوندت” (D’Hondt)، التي تأخذ عدد الأصوات التي حصل عليها كل حزب في الاعتبار عند توزيع المقاعد.

ويهدف النظام الجديد إلى جعل توزيع المقاعد أقرب إلى نسبة الأصوات التي تحصل عليها الأحزاب.

أيرلندا الشمالية

تستخدم انتخابات جمعية أيرلندا الشمالية نظام “التصويت الواحد القابل للتحويل” (Single Transferable Vote)، وهو نظام يسمح للناخب بترتيب المرشحين بحسب تفضيله.

وهكذا، تختلف طريقة احتساب الأصوات وتحويلها إلى مقاعد بحسب نوع الانتخابات والمنطقة داخل المملكة المتحدة.

هل يمكن أن يشكل حزب الحكومة رغم حصوله على أقل من نصف الأصوات؟

نعم.

لا يشترط نظام “الفائز الأول” حصول الحزب على 50 في المئة من الأصوات على مستوى المملكة المتحدة حتى يحصل على أغلبية المقاعد.

فالمعيار الأساسي في الانتخابات العامة هو عدد الدوائر التي يفوز بها مرشحو الحزب.

ولهذا يمكن لحزب أن يحصل على أغلبية كبيرة في مجلس العموم رغم أن نسبة الأصوات التي حصل عليها على المستوى الوطني أقل بكثير من 50 في المئة.

وتوضح انتخابات 2024 ذلك بوضوح: حصل حزب العمال على 33.7 في المئة من الأصوات، لكنه فاز بـ411 مقعدًا من أصل 650، أي أكثر من 63 في المئة من مقاعد مجلس العموم.

ماذا يحدث بعد إعلان النتائج؟

بعد إعلان نتائج الدوائر، يتضح توزيع المقاعد في مجلس العموم.

ويمكن أن تكون النتيجة إحدى الحالات الرئيسية التالية:

أغلبية لحزب واحد: يحصل حزب على أكثر من نصف مقاعد مجلس العموم، ويكون قادرًا عادةً على تشكيل الحكومة والحصول على ثقة المجلس.

برلمان معلّق: لا يحصل أي حزب على الأغلبية المطلقة، وتبدأ المشاورات والمفاوضات لتحديد الحزب أو التحالف القادر على تشكيل حكومة تحظى بثقة مجلس العموم.

حكومة أقلية: يشكل حزب حكومة من دون أغلبية مطلقة، لكنه يستطيع الاستمرار في الحكم إذا تمكن من الحصول على الدعم الكافي داخل مجلس العموم، سواء عبر اتفاقات رسمية أو تفاهمات بشأن بعض التصويتات.

الخلاصة: الأصوات والمقاعد شيئان مختلفان

لفهم الانتخابات العامة البريطانية، يجب التمييز بين مفهومين:

  • نسبة الأصوات: عدد الأصوات التي حصل عليها مرشحو الحزب في جميع الدوائر.
  • عدد المقاعد: عدد الدوائر التي فاز بها مرشحو الحزب.

وفي نظام “الفائز الأول”، فإن عدد المقاعد هو الذي يحدد تركيبة مجلس العموم، وليس مجموع الأصوات الوطني وحده.

لذلك ليس من الضروري أن يكون الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات هو الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من المقاعد، كما أن الحزب الذي يفوز بأكبر عدد من المقاعد لا يحتاج إلى الحصول على أغلبية الأصوات على مستوى المملكة المتحدة.

وبعبارة أبسط: الانتخابات العامة البريطانية لا تُحسم في صندوق اقتراع وطني واحد، وإنما عبر 650 دائرة انتخابية منفصلة، والفائز في كل دائرة يحصل على مقعد واحد في مجلس العموم.

ومن هنا يمكن أن تكون طريقة توزيع الأصوات بين الدوائر عاملًا حاسمًا في تحديد عدد المقاعد التي يحصل عليها كل حزب، إلى جانب العدد الإجمالي للأصوات التي جمعها على مستوى المملكة المتحدة.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

↑