من سرق من ابن آدم عُقد حقيقته؟
وَيْحَ بني آدم!
وَيْحَ بني آدم… ما أعجب هذا الكائن الذي يمشي فوق ترابٍ يعلم أنه سيضمّه يومًا، ثم يتصرّف كأن الأرض خُلقت لتكون عرشًا له، وكأن الزمن وُضع بين يديه ليأمره: تقدّم أو توقّف!
يستيقظ صباحًا، فيرى الدنيا واسعةً أمام عينيه، فيظنّها ملكًا له. يجمع المال، فيتوهم أن خزائنه ستمنحه الأمان. يعلو منصبه، فيحسب أن الناس سيبقون تحت ظله. يشيّد البيوت، ويكدّس الممتلكات، ويحيط نفسه بالأتباع، ثم ينسى السؤال الأشد بساطة: وماذا بعد؟
ما أسرع ما يُغري الإنسانَ سلطانُه!
قد يبدأ الأمر بقدرة صغيرة، ثم يكبر الوهم في داخله حتى يرى نفسه فوق المساءلة، وأعلى من النصيحة، وأبعد من النهاية. فإذا امتلك شيئًا قال: هذا لي. وإذا ازداد قال: هذا بفضلي. وإذا دانت له الرقاب، توهّم أن طاعتها حقٌّ أبدي. حتى إذا اشتدّ به الغرور، صار كأن في داخله فرعونًا صغيرًا، لا يرضى إلا أن يُطاع، ولا يرى في العالم إلا صورته منعكسةً في عيون الآخرين.
وما فرعون إلا صورةٌ مكبّرة لوهمٍ قد يسكن قلب الإنسان حين ينسى حجمه الحقيقي.
يظن أنه قادر على كل شيء، وأن الأيام ستظل تدور حوله، وأن سلطانه لن ينكسر، وأن الذين يصفقون له اليوم سيبقون واقفين على بابه غدًا.
ثم تأتيه الحياة بما لا يملك ردّه.
يمرض الجسد الذي طالما أطاعه، فيكتشف أن جسده ليس ملكه تمامًا، ويضيع المال الذي ظن أنه حصنه، فيكتشف أن الأرقام لا تمنع الفقد، ويرحل عنه من أحب، فيعرف أن القلوب ليست عقارات يملك مفاتيحها.
ويأتيه الموت، فلا يسأله كم جمعت، ولا كم بيتًا بنيت، ولا كم إنسانًا وقف بين يديك.
فجأةً… يسقط الوهم كله، ويكتشف الإنسان أن أطول طريق قطعه في حياته كان الطريق بين غروره وحقيقته.
ما أضعفك يا ابن آدم، وأنت تتكئ على قوتك!
أنت الذي لا تملك أن تؤخر نبضةً واحدة إذا جاء أجلها، ولا تستطيع أن تمنع عن نفسك مرضًا، ولا أن تستبقي وجهًا أحببته، ولا أن تُبقي صباحًا جميلًا إلى الأبد.
ومع ذلك، تمضي أحيانًا كأنك خالد.
تخاصم من أجل الدنيا كأنك لن تغادرها.
تظلم من أجل منصب كأن المنصب سيحملك إلى قبرك.
تقطع الأرحام من أجل مال كأن المال سيجلس معك في وحدتك الأخيرة.
وتؤذي القلوب كأنك لن تحتاج يومًا إلى قلبٍ يسامحك.
ويح بني آدم!
كيف ينسى نهايته وهو يعرف أنها أقرب إليه من كل شيء؟
كيف يرفع رأسه متكبرًا، وهو يعلم أن بدايته كانت قطرة، وأن نهايته حفنة تراب؟
ليس العيب أن يملك الإنسان الدنيا، ولا أن ينجح، ولا أن يبلغ أعلى المراتب؛ إنما العيب أن تدخل الدنيا قلبه حتى يتوهم أنه مالكها، وأن تنسيه النعمةُ المُنعِم، وأن تحجبه القوة عن معرفة ضعفه.
فالإنسان قد يملك قصرًا، لكنه لا يملك لحظةً من الغد.
وقد يملك آلاف الوجوه حوله، لكنه لا يملك أن يمنع وحشة القبر.
وقد يملك مفاتيح خزائن الأرض، لكنه لا يملك مفتاحًا واحدًا لباب الموت.
وما أقصر المسافة بين عرشٍ يظنه صاحبه أبديًا، وقبرٍ لا يحمل إليه إلا جسده!
لهذا، لا تغترّ يا ابن آدم بما في يدك.
كل ما في يدك عارية.
القوة عارية.
والمال عارية.
والصحة عارية.
والأهل عارية.
والمنصب عارية.
حتى العمر الذي تنفق منه كل يوم ليس ملكًا لك، بل وقتٌ مُنح لك ثم يُسترد.
فلا تجعل من العارية تاجًا على رأسك، ولا تجعل من النعمة سببًا لطغيانك.
كن قويًا، ولكن لا تتوهّم أنك لا تُقهر.
امتلك، ولكن لا تتوهّم أنك مالك كل شيء.
ارتفع، ولكن لا تنسَ الأرض التي ستعود إليها.
واجمع من الدنيا ما شئت، لكن لا تسمح للدنيا أن تجمعك إليها حتى تنسى ربك ونهايتك.
فكم من إنسانٍ ظن أن الدنيا في قبضته، فإذا به هو المقبوض عليه!
وكم من متجبّرٍ ظن أن التاريخ سيخلّد صوته، فإذا بالتاريخ لا يذكر منه إلا عبرة!
وكم من رجلٍ بنى لنفسه عرشًا من الوهم، ثم جاءه يومٌ واحد، هدم كل ما بناه في لحظة.
فيا ابن آدم… لا تكن فرعونًا صغيرًا في دنيا زائلة.
فالدنيا لا تدوم لأحد، والناس لا يبقون لأحد، والسلطان لا يحرس أحدًا من الموت.
وسيأتي يومٌ تنزل فيه من كل ما ظننت أنك لن تنزل عنه، وتترك كل ما ظننت أنك لن تتركه، وتمضي وحيدًا كما جئت أول مرة.
وحينها لن يبقى لك من كل هذا الصخب إلا ما صنعت يداك.
فاخفض جناحك قليلًا…
فالتراب الذي تمشي عليه اليوم، هو نفسه الذي سيحتضنك غدًا.
وَيْحَ بني آدم… لو عرفوا حقيقة أنفسهم، لما بالغوا في ادّعاء الخلود.
الرابط المختصر هنا ⬇


