العرب في بريطانيا | موقف بريطانيا من إسرائيل.. لماذا تتوقف لندن قبل...

تحليل: بريطانيا تشدد موقفها من إسرائيل.. لماذا تتوقف قبل نهاية الخطوة؟

تحليل: بريطانيا تشدد موقفها من إسرائيل.. لماذا تتوقف قبل نهاية الخطوة؟

تحليل: بريطانيا تشدد موقفها من إسرائيل.. لماذا تتوقف قبل نهاية الخطوة؟

محرر الشؤون السياسية سبتمبر 27, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

كان المشهد في الجمعية العامة للأمم المتحدة أكبر من مجرد خلاف دبلوماسي.

ما إن صعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى المنصة، حتى بدأت عشرات الوفود في مغادرة القاعة، تاركة أمامه صفوفًا واسعة من المقاعد الخالية. ووصف نتنياهو المنسحبين بـ”الجبناء أخلاقيًا”، فيما قدمت رويترز المشهد باعتباره انعكاسًا للعزلة الدولية المتزايدة التي يواجهها نتنياهو، قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول.

كانت المفارقة قاسية. فمن وزع على الآخرين أحكام الشجاعة والجبن الأخلاقي هو رئيس حكومة صدرت بحقه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينها التجويع كأسلوب من أساليب الحرب والقتل والاضطهاد وأفعال لا إنسانية أخرى.

لكن المشهد يكشف أيضًا شيئًا عن بريطانيا.

فخلال أسابيع قليلة، رفعت حكومة آندي بيرنهام سقف موقفها من إسرائيل بصورة لم تكن مألوفة في السياسة البريطانية قبل سنوات. أعلنت أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، وقررت حظر استيراد سلع المستوطنات، وفرضت عقوبات مرتبطة بالتوسع الاستيطاني، وشددت القيود على صادرات يمكن أن تسهم ماديًا في استمرار الاحتلال.

ثم وقف بيرنهام أمام الأمم المتحدة ليقول إن ما تفعله الحكومة الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية لا يمكن تبريره، وإن بريطانيا لن تقف متفرجة بينما تستمر المعاناة ويتعرض احتمال قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة للخطر. وقال إن حكومته، خلال ثمانية أسابيع فقط، أجرت “إعادة ضبط شاملة” لموقف بريطانيا من الشرق الأوسط.

التغيير حقيقي. لكن وضع هذه الخطوات جنبًا إلى جنب يكشف أن التحول البريطاني لا يسير في خط مستقيم. فكلما رفعت لندن سقف موقفها من إسرائيل، ظهرت عند التنفيذ، أو عند الانتقال إلى مستوى أعلى من الضغط، حدود جديدة لما هي مستعدة لفعله.

الموقف يتقدم، لكن الخطوة كثيرًا ما تتوقف قبل أن تصل إلى كامل دلالتها السياسية.

حظر المستوطنات.. الإعلان الآن والتنفيذ بعد شهور

في الثامن من سبتمبر/أيلول، أعلن وزير الخارجية إد ميليباند أن الحكومة تعتبر استمرار الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني، وأن بريطانيا ستحظر استيراد منتجات المستوطنات والإعلان عنها داخل المملكة المتحدة، إلى جانب فرض عقوبات على أفراد وشركات تساعد النشاط الاستيطاني أو تموله أو تستفيد منه.

لكن التشريع الذي ينفذ الحظر لن يدخل حيز التطبيق قبل ستة إلى تسعة أشهر.

الإعلان الآن، والتنفيذ بعد شهور، فيما يواصل مشروع E1، الذي تصفه بريطانيا نفسها بأنه تهديد مباشر لإمكان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، تقدمه على الأرض.

والأهم أن الحكومة رسمت منذ البداية سقف الإجراء نفسه. فميليباند شدد على أن العقوبات تستهدف المستوطنات والتوسع الاستيطاني “وليس إسرائيل”، وأكد استمرار دعم التجارة مع إسرائيل داخل الخط الأخضر ورفضه الكامل لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDS.

أي أن لندن لم تكتف بإعلان ما ستفعله، بل سارعت أيضًا إلى تحديد ما لن تفعله.

حين كانت روسيا هي المعتدية.. كان منطق العقوبات مختلفًا

يصبح هذا الحد أكثر وضوحًا عند مقارنته بالطريقة التي تعاملت بها بريطانيا مع الغزو الروسي لأوكرانيا.

ففي فبراير/شباط 2022، لم تحصر لندن العقوبات في الشركات أو الأفراد المشاركين مباشرة في العمليات العسكرية، بل أعلنت حزمة واسعة تستهدف الدولة الروسية والبنوك والمؤسسات المالية والشركات الكبرى والقطاعات الاستراتيجية، قبل أن تمتد القيود إلى الاستثمار والتجارة والطاقة والخدمات.

وبحلول العام التالي، كانت بريطانيا قد فرضت عقوبات على جميع البنوك الروسية الكبرى وأكثر من 90 في المئة من القطاع المصرفي، إلى جانب البنك المركزي ووزارة المالية وقطاعات الدفاع والطاقة والنقل والتكنولوجيا.

لم تكن العقوبات الروسية بلا استثناء، كما أن بعضها نُفذ تدريجيًا. لكن الفارق كان في منطق العقوبة ونطاقها: عندما غزت روسيا أوكرانيا، استهدفت بريطانيا قدرة الدولة الروسية والاقتصاد المرتبط بها على تحمل كلفة الحرب. أما عندما يتعلق الأمر بالاحتلال الإسرائيلي، فتصر لندن على فصل المستوطنات التي تعاقبها عن الدولة التي تدير الاحتلال نفسه.

وهنا لا تعود المسألة مجرد بطء في تنفيذ حظر منتجات المستوطنات، بل تظهر درجة مختلفة من الاستعداد لفرض الكلفة.

حتى الإدانة تحتاج إلى مقدمة

يظهر التردد بطريقة مختلفة في اللغة السياسية نفسها.

في خطابه أمام الجمعية العامة، تحدث بيرنهام عن العدالة وإساءة استخدام القوة وواجب الدفاع عن القانون الدولي. لكنه عندما وصل إلى غزة، بدأ بالسابع من أكتوبر/تشرين الأول.

وصف هجوم حماس بأنه “مروع تمامًا”، وأعاد إدانة الحركة، وأكد وقوف بريطانيا مع إسرائيل في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها وإزاء التهديدات الموجهة لليهود حول العالم.

ثم قال:

“لكن ذلك لا يبرر أفعال الحكومة الإسرائيلية في غزة أو الضفة الغربية.”

وبعد هذه المقدمة انتقل إلى الحديث عن القتلى، وبينهم الأطفال، وقلة المساعدات واستمرار المعاناة، ثم الاحتلال والمستوطنات ومشروع E1. ويمكن قراءة ترتيب الفقرات كاملًا في النص الرسمي للخطاب.

الدلالة هنا في التركيب المتكرر للموقف. فكلما اقتربت الحكومة من إدانة شديدة للممارسات الإسرائيلية، تبدو بحاجة إلى إحاطتها بسياج من التحفظات وإدانة الطرف الآخر أولًا، بما يبقي الفعل الإسرائيلي مؤطَّرًا بوصفه ردًا تجاوز حدوده، لا فعلًا يُناقش في ذاته وتُحمَّل إسرائيل مسؤوليته مباشرة.

حين اختارت عشرات الدول عزل نتنياهو.. بقيت بريطانيا في مقعدها

ثم جاء خطاب نتنياهو ليحول المسألة من الكلمات إلى صورة يفهمها العالم بلا شرح.

غادرت عشرات الوفود القاعة فور صعوده إلى المنصة، في مشهد قدمته رويترز ضمن صورة العزلة الدولية المتزايدة التي تحيط بنتنياهو قبل الانتخابات.

كان نتنياهو يحاول في نيويورك الدفاع عن حصيلة حكومته وإثبات أن الانتقادات الخارجية لم تعزل إسرائيل. فجاءت صورة الوفود وهي تدير له ظهورها لتقول العكس أمام الكاميرات.

وقد أظهر استعراض للقطات الجمعية العامة أن نحو 70 وفدًا غادروا القاعة أو تركوا مقاعدهم شاغرة، بينما بقيت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة ودول أخرى.

وقبل يومين فقط، كان رئيس الوزراء البريطاني يقف على المنصة نفسها ويعلن أن ممارسات الحكومة الإسرائيلية في غزة والضفة لا يمكن تبريرها، وأن الاحتلال غير قانوني، وأن بريطانيا غيرت سياستها لأنها لم تعد تقبل بأن تبقى الكلمات بلا أفعال.

لكن عندما تشكل فعل جماعي يجعل هذا الرفض مرئيًا بوصفه عزلة سياسية مباشرة لنتنياهو، لم تنضم إليه بريطانيا والدول الأوروبية.

البقاء لم يكن احتجاجًا من نوع آخر؛ كان قرارًا بعدم المشاركة في الاحتجاج الجماعي.

وهذا يوضح مرة أخرى الحد الذي يصل إليه التحول البريطاني: زيادة الضغط على حكومة نتنياهو من دون الانضمام إلى المشهد الذي يحول هذا الضغط إلى عزلة سياسية صريحة لرئيسها.

حين تصبح للموقف كلفة

المفارقة الأوضح ربما جاءت من المثال الذي اختاره بيرنهام بنفسه في خطابه.

فقد استدعى قصة عمال مصانع القطن في مانشستر خلال الحرب الأهلية الأمريكية، الذين رفضوا التعامل مع القطن الذي جُمع بعمل العبيد رغم المصاعب الاقتصادية التي تسبب فيها ذلك لهم. وقال إن أشخاصًا لا يملكون قوة كبيرة استخدموا ما يملكونه لمساندة من لا يملكون شيئًا.

القوة في القصة ليست مجرد التعبير عن موقف أخلاقي، وإنما تحمل كلفته.

وهذا المعيار يكشف حدود السياسة البريطانية عند الانتقال من الموقف إلى المصالح الفعلية.

ففي سبتمبر/أيلول 2024، علقت الحكومة البريطانية تراخيص تصدير عسكرية بعد أن خلصت إلى وجود خطر واضح من إمكان استخدام المعدات المشمولة بها في ارتكاب أو تسهيل انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي في غزة. لكن القرار استثنى مكونات برنامج مقاتلات F-35 الدولية، باستثناء المكونات المرسلة مباشرة إلى إسرائيل، لأن البرنامج يقوم على سلسلة إمداد دولية لا تستطيع بريطانيا فيها تحديد المستخدم النهائي لكل مكون.

وبحلول 28 فبراير/شباط 2026، كانت 395 رخصة غير معلقة لا تزال تشمل إسرائيل وجهة محتملة، بينها 203 رخص عسكرية، مع اختلاف طبيعة هذه الرخص بين برنامج F-35 وإعادة التصدير واستخدامات أخرى.

المغزى ليس أن جميع هذه الرخص أسلحة تذهب مباشرة إلى الجيش الإسرائيلي؛ البيانات الحكومية لا تقول ذلك. لكنه يظهر أن لندن تحركت عندما رأت خطرًا قانونيًا، ثم ظهر الاستثناء عندما اصطدم التحرك ببنية عسكرية دولية ترتبط بأمنها وتحالفاتها.

ويتكرر الفارق نفسه في العقوبات الجديدة. فالحكومة لم تعد تقول إن المستوطنات وحدها غير قانونية، بل تعتبر استمرار الاحتلال الإسرائيلي نفسه غير قانوني، بينما تظل الإجراءات الاقتصادية الرئيسية مركزة على المستوطنات.

ولهذا قال أكثر من 130 خبيرًا قانونيًا، بينهم 18 من كبار المحامين، إن الإجراءات البريطانية أضيق كثيرًا مما يترتب، في رأيهم، على موقف الحكومة القانوني، وطالبوا بتوسيعها إلى مجالات أخرى مرتبطة بالاحتلال.

أي أن التوصيف القانوني أصبح أوسع من الأدوات السياسية التي اختارت لندن استخدامها.

لماذا تتوقف لندن؟

لا يحتاج هذا النمط إلى افتراض دافع خفي واحد وراءه؛ فالقيود تظهر في القرارات نفسها.

بريطانيا تريد الضغط على الاحتلال والاستيطان، لكنها تريد الحفاظ على التجارة والعلاقة الأوسع مع إسرائيل. تريد ربط صادرات السلاح بالقانون الدولي، لكنها جزء من شبكات عسكرية لا تستطيع الانسحاب منها. وتريد زيادة الضغط على نتنياهو، لكنها لا تصل به إلى حد الانضمام إلى عزله سياسيًا في الأمم المتحدة.

هذه الوقائع تكشف طريقة إدارة لندن للعلاقة: زيادة الضغط من داخلها، مع الحرص على ألا يتحول الضغط إلى كسر لها.

ولذلك تحاول كل خطوة بريطانية تقريبًا إرسال رسالتين في وقت واحد: أن السلوك الإسرائيلي تجاوز ما تستطيع لندن قبوله، وأن بريطانيا، رغم ذلك، لم تغادر الإطار التقليدي لعلاقتها مع إسرائيل.

وهنا يظهر سبب التردد الذي يطبع حتى أكثر المواقف البريطانية تشددًا.

فالمشكلة لم تعد أن لندن لا ترى ما يحدث أو لا تقول شيئًا عنه. لقد غيرت لغتها واتخذت إجراءات فعلية. لكن كلما اقتربت الخطوة من فرض كلفة أوسع على العلاقة نفسها، تبدأ الحدود في الظهور.

نتنياهو وصف الذين غادروا القاعة بـ”الجبناء أخلاقيًا”، لكن الوفود المنسحبة اتخذت موقفًا واضحًا أمام العالم، وأسهمت صورة المقاعد الخالية في تكريس عزلته السياسية قبل الانتخابات.

أما بريطانيا، فتكشف حالتها عن نمط مختلف: تدين كيانات داخل دولة الاحتلال، وتعاقب المستوطنات كما لو كان نشاطها منفصلًا عن سياسة الحكومة التي تدعمه، وتغيّر لغتها لكنها تحيط إدانتها بسلسلة من التحفظات، وعندما يقترب الضغط من التحول إلى عزلة سياسية أو اقتصادية أوسع لإسرائيل، تتوقف قبل عبور هذا الحد.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا

↑