تعلمت من “قارون”
ما ينبغي لك يا قارئ كلماتي -قدّس الله سرك- أن تعلم أن الإسلام أمر المُريد الطامح إلى العلياء، أن تكون حياته كالنحلة، لا يقع إلَّا على الشيء الطيب، وينتقي من الأمور أجودها وأحسنها {الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه…}، أما الإساءة والبذاءة، فيُشيح بوجهه عنها {وإذا مرّوا باللغو مرّوا كرامًا}.
ومن نافلة القول أن الفائدة والأمور الحسنة لا تقتصر على المسلمين فقط، بل هي سيّارة بين الناس عربهم وعجمهم، فالحكمة ضالة المؤمن، والعرب تقول: خُذ الحكمة ولا يضُرك من أي وعاء خرجت.
ومن جميل ما يُذكر في هذا الباب، هو أن يحذر القارئ من مفهوم “الاستفادة”؛ فقد رأينا من انفتح على الأمور بغرض التعلم، ثم ما هي إلَّا أيام قلائل، وإذا به ينحرِف عن الجادة، ويحذو حذو القوم في الإلحاد والتفكير العقيم.
فما قصدته هنا لا انغلاق يُعمي عن قبول الحق، ولا انفتاح ذوبان، كما ذكر الدكتور عادل الثامري في مجلة القافلة: الانبهار بالمصطلحات الوافدة أو الاستعلاء عليها، كلاهما وجهان للخلل نفسه؛ فالأول يقود إلى التبعية، والثاني إلى الانغلاق.
فالطريق الوسط هو الحوار النقدي، الذي يُعامل المصطلحات ضيوفًا يُستقبلون بكرم ويُختبر حُضورهم بالعقل، لا آلهة تُعبد أو غُرباء يُطردون.
مما ذُكر في صفحات التاريخ أن قارون كان ممن يعملون تحت إمرة فرعون (قيل قد عمل في إحدى الصناعات)، ثم إنه قد اتبع نبي الله موسى في حادثة انشقاق البحر: {إنّ قارون كان من قوم موسى…}. ثم إنه مارس مهنته وحرفته أيام الطاغية، فكثُر ماله وعظُم سُلطانه، ثم إنه لمّا رأى نِعَم الله عليه استبدّ وطغى، فكان هلاكه، والقصة معروفة لا طائل من ذكرها.
ما يهمني هنا {إنما أُوتيته على علم عندي} وهنا أتساءل: هل ورود المهن في القرآن والسنة الشريفة اعتباطي أم هنالك مغزى؟
فقد قال عن نبي الله داوود: {وعلمناه صنعة لَبوس لكم}، وعن نوح: {ويصنع الفلك}، وخير البشر عمل في التجارة ورعى الغنم وقال: ما من نبي إلَّا ورعى الغنم.
ومما أُثر عن الفاروق رضي الله عنه أنه كان يغضب من الشاب المسلم ليس له صنعة. وقد قيل إنه رأى قافلة محمّلة قادمة من الشام لتبيع في المدينة، فسأل لمن هي؟ فأُجيب بأنها لتاجر يهودي. فالتفت إلى المسلمين وقال: لا يغلبنكم اليهود في التجارة؛ فالتجارة ثلث الإمارة.
قلت: إحدى مآسي تنشئتنا هي أن المسار قد رُسم بالفعل من قبل أن نولد، روضة ثم مدرسة ثم جامعة ثم وظيفة مكتبية حتى التقاعد. ومن لم يُحالفه الحظ في مسار كهذا عمل في أي وظيفة كيفما اتفق.
هذه الخارطة السقيمة أنتجت عقلية إذا حدثتها عن المهن والمهارات انصرف تفكيرها إلى الحدادة والنجارة، وهذا بطبيعة الحال تجزيء وتبعيض للمفهوم، وإلَّا فالمهن والمهارات أوسع من ذلك بكثير.
“ما دمت لا تُنتج غذاءك، ولا تصنع سلاحك، فأنت لست سوى صدى لأقوال الآخرين”، هكذا قال أحدهم. فالأمة غير المنتجة، هي أمة مرتهنة للأخرى المُصنِّعة ولا ريب، وصفحات التاريخ الماضي والحاضر خير مثال، والإنسان الخالي من المهارات هو إنسان وضع مفتاح عزته في جيب مالكه يُسيره كيفما شاء.
المهنة والحِرفة والصنعة والمهارة كلها مُفردات تؤدي إلى رِفعة النفس والسُّؤدد.
رضي الله عن أبي تراب علي بن أبي طالب لما قال: قيمة كل امرئٍ ما يُحسنه.
الرابط المختصر هنا ⬇


