العرب في بريطانيا | الحياة حين تفقد طقوسها الصغيرة.. ماذا نخسر في ز...

الحياة حين تفقد طقوسها الصغيرة

الحياة حين تفقد طقوسها الصغيرة

الحياة حين تفقد طقوسها الصغيرة

كرم نعمة سبتمبر 21, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لم يكن سؤال روبرت شريمزلي في صحيفة «فايننشال تايمز»: «أما زال أحد يذهب إلى السينما؟»، مجرد ملاحظة عابرة عن تراجع حضور قاعات العرض، بل كان، من حيث لا يدري، سؤالًا عن مصير الطقوس التي كانت تمنح حياتنا شكلًا يمكن التعرّف إليه.

فقبل السينما، هناك أسئلة تقف في الصف نفسه: أما زال أحد يقرأ الصحيفة الورقية؟ أما زال أحد يستمع إلى الراديو صباحًا؟ أما زال أحد يكتب رسالة بخط يده؟ أما زال أحد ينتظر برنامجًا تلفزيونيًا في موعده؟ أما زال هناك مَن يعيش بلا هاتف محمول؟ «أعرف أكثر من شخص رفض اقتناء الهاتف عن قناعة».

هذه الأسئلة ليست تقنية، بل وجودية؛ إنها تسأل عن شكل الحياة حين تفقد طقوسها الصغيرة التي كانت تربط الإنسان بالعالم وبنفسه.

السينما والاتفاق على ترك العالم خارج الباب

فالذهاب إلى السينما مع الحبيبة، ثم مع الزوجة لاحقًا، لم يكن مجرد مشاهدة فيلم على شاشة كبيرة، بل كان تمرينًا على أن تكون مع شخص واحد في مكان واحد لساعة ونصف، بلا إشعارات، وبلا رسائل، وبلا إمكانية للهروب إلى شاشة أخرى.

كان الظلام في القاعة نوعًا من الحماية؛ اتفاقًا ضمنيًا على أن نترك العالم خارج الباب، ونسمح للفيلم بأن يملأ المسافة بيننا.

وحين يتحول هذا المشهد إلى جلسة أمام تلفاز في غرفة الجلوس، أو أمام شاشة حاسوب محمول على السرير، يتغيّر شيء لا تقيسه الأرقام؛ تتفكك تلك اللحظة المشتركة، ويتسلل العالم إلى الداخل عبر الهاتف الموضوع إلى جوارنا.

الراديو ونعمة أن تكون مستمعًا

الأمر نفسه ينطبق على الراديو. أن تستيقظ على صوت مذيع تعرف نبرته منذ سنوات، وأن تسمع ضحكته وتردده وطريقته في قراءة الأخبار، هو شكل من أشكال الاستمرارية.

الراديو لا يطلب منك أن تختار، بل يعرض عليك سيلًا من الكلام والموسيقى، كأنك تركب حافلة لا تعرف جميع محطاتها، لكنك تثق بالطريق.

أما منصات البث اليوم، فتطلب منك أن تختار كل شيء: الأغنية، والنشرة، والبودكاست، والمدة، واللغة. الحرية هنا ليست بلا ثمن؛ إنها تضعك أمام مرآة دائمة: ماذا تريد الآن؟ ماذا تفضّل؟ مَن أنت في هذه اللحظة؟

في حين كان الراديو يمنحك نعمة أن تكون مستمعًا فقط، جزءًا من جمهور غير مرئي، لا يحتاج إلى تعريف نفسه في كل مرة.

الصحيفة التي تفرض إيقاعها

ثم تأتي الصحيفة الورقية، ذلك المستطيل الكبير من الورق الذي كان يفرض عليك إيقاعه الخاص. لا يمكنك أن «تسحب» الصفحة إلى الأعلى كما تفعل على الهاتف، ولا أن تقفز بين العناوين كما في المواقع الإخبارية.

عليك أن تطوي الجريدة، وأن تغيّر زاوية النظر، وأن ترفعها قليلًا أو تخفضها، وأن تترك بقعة من الضوء تسقط على عمودك المفضل.

قراءة الجريدة في مقهى يحيط به المارة ليست مجرد فعل اطلاع، بل هي إعلان هادئ عن موقعك في العالم. أنت شخص يجلس، ويقرأ، ويراقب، ويترك اليوم يمرّ من حوله.

وحين تتحول الأخبار إلى إشعارات على شاشة صغيرة، يصبح العالم سلسلة من الإنذارات، لا من الصفحات.

الرسالة الورقية وأثر اليد

كان الخط اليدوي طقسًا من طقوس البطء الجميل، وطريقة للقول إن الكلمات تستحق وقتًا أطول من ضغطة زر.

كانت الرسالة الورقية تحمل شيئًا لا يمكن للبريد الإلكتروني أن يحمله: أثر اليد، وتردد الكاتب، ولحظة التوقف قبل اختيار كلمة، ورائحة الورق، وملمس الطيّة الأخيرة.

وحين نكتب اليوم على الهاتف، لا نترك أثرًا، بل نترك بيانات. والسؤال هنا ليس عن الكتابة، بل عن العلاقة مع الزمن: أما زال أحد يملك رفاهية أن يكتب رسالة لا يمكن تعديلها بعد إرسالها؟ رسالة تُقرأ ببطء، ويُحتفظ بها في درج، لا في سحابة رقمية.

السينما واختبار الطمأنينة

هنا يعود سؤال شريمزلي إلى مركز الصورة: «أما زال أحد يذهب إلى السينما؟». ويمكن قراءته بوصفه اختبارًا لمدى قدرتنا على الحفاظ على طقس واحد على الأقل من طقوسنا القديمة.

تقول الإحصاءات إن 123.5 مليون شخص دخلوا دور السينما العام الماضي؛ وهو رقم قريب من عام 2023 وأفضل من عام 2022، لكنه لا يزال أقل من سنوات ما قبل وباء كورونا.

هذه الأرقام تهمّ المنتجين والموزعين، لكنها لا تجيب عن سؤال الطمأنينة: كم من هؤلاء ذهب إلى السينما بحثًا عن لحظة مشتركة، أو خروج من البيت، أو شعور بأن الحياة ما زالت تُعاش في مكان عام، ولا تُستهلك وحيدًا أمام شاشة شخصية؟

اقتصاد الانتباه وسرقة الزمن

هنا يدخل «اقتصاد الانتباه» إلى الصورة. في هذا الاقتصاد، لم يعد الوقت ملكًا لصاحبه، بل أصبح مادة خامًا تتنافس عليها الشركات والمنصات.

كل دقيقة تُقضى أمام الشاشة هي ربح لشخص ما، وخسارة لطقس ما. وحين تشاهد فيلمًا على منصة بث، لا تعيش لحظة السينما، بل تعيش لحظة «الاختيار المستمر»: هل أكمل؟ هل أبدّل؟ هل أبحث عن شيء آخر؟

لم تعد الشاشة نافذة على العالم، بل أصبحت مرآة تعكس قلقك اللحظي. كان الراديو يحررك من هذا القلق؛ لأنه يختار عنك. وكانت الجريدة تمنحك استراحة منه؛ لأنها تفرض عليك ترتيبها الخاص. أما الهاتف، فهو جهاز لا يترك لك لحظة واحدة بلا سؤال: ماذا تريد الآن؟

اقتصاد الانتباه لا يكتفي بسرقة الطقوس، بل يعيد تشكيل علاقتنا بالزمن نفسه. الزمن الذي كان يُعاش في أماكن عامة أصبح يُستهلك في غرف مغلقة. والزمن الذي كان يُتقاسم مع الآخرين أصبح يُختزل في شاشة شخصية. والزمن الذي كان يُقاس بالطقوس أصبح يُقاس بعدد الإشعارات.

وهكذا يصبح سؤال شريمزلي سؤالًا عن قدرة الإنسان على الاحتفاظ بقطعة من زمنه بعيدًا عن السوق، بعيدًا عن المنصات، بعيدًا عن ذلك الاقتصاد الذي لا يريد منك أن تعيش، بل أن تنتبه.

عالم بلا طقوس مشتركة

لم تغيّر التكنولوجيا طريقة استهلاكنا للوسائط فحسب، بل أعادت صياغة شكل العيش نفسه. لم يعد الخروج إلى السينما ضرورة، بل خيارًا وسط آلاف الخيارات. ولم يعد الراديو رفيق الصباح، بل مجرد تطبيق يمكن إغلاقه. ولم تعد الجريدة نافذة على العالم، بل أصبح العالم نفسه مختزلًا في شاشة صغيرة.

ومع كل هذا، يتآكل شيء لا يُقاس بالأرقام: الإحساس بأن الحياة تُعاش في مكان عام، وفي طقس مشترك، وفي عادة تمنحك اتساقًا داخليًا.

لقد أصبح الإنسان يعيش في عالم بلا طقوس، وبلا لحظات مشتركة، وبلا أماكن تُقصد من أجل معنى يتجاوز المحتوى. لم تسرق التكنولوجيا الوسائط فقط، بل سرقت تلك «الطمأنينة» التي كانت تُصنع من أشياء بسيطة: تذكرة سينما، وفنجان قهوة، وصفحة تُطوى، وصوت مذيع يملأ الفراغ بينك وبين العالم.

 

 

اترك تعليقا