العرب في بريطانيا | لماذا يمر الوقت أسرع مع التقدم في العمر؟ تفسيرا...

لماذا تبدو السنوات أقصر كلما تقدمنا في العمر؟ العلم يقدم أكثر من تفسير

لماذا تبدو السنوات أقصر كلما تقدمنا في العمر؟ العلم يقدم أكثر من تفسير

لماذا تبدو السنوات أقصر كلما تقدمنا في العمر؟ العلم يقدم أكثر من تفسير صورة توضيحية (AI)

محمد سعد سبتمبر 20, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

كان صيف الطفولة يبدو كأنه لن ينتهي، أما في سنوات البلوغ، فقد تمر الشهور قبل أن ينتبه الإنسان إلى أن عامًا آخر أوشك على الانقضاء. الساعة لم تتغير، واليوم لا يزال يتكون من 24 ساعة، لكن إحساسنا بمرور الزمن لا يعمل وفق العقارب والتقويم وحدهما.

وقد حاول علماء النفس والأعصاب والباحثون في الإدراك تفسير شعور شائع بأن الوقت يتسارع مع التقدم في العمر. ولا توجد حتى الآن إجابة واحدة حاسمة، بل عدة تفسيرات تتداخل فيها الذاكرة والانتباه والروتين والتغيرات التي تطرأ على الدماغ.

وتشير الإندبندنت إلى خمسة عوامل محتملة، من بينها تناقص حجم السنة مقارنة بالعمر كله، وقلة التجارب الجديدة، واعتياد الدماغ أداء المهام اليومية بصورة شبه تلقائية، إلى جانب تغيرات مرتبطة بالانتباه والدوبامين.

لكن فهم الظاهرة يتطلب أولًا التمييز بين نوعين مختلفين من الإحساس بالوقت.

الوقت أثناء عيشه والوقت عند تذكره

قد تبدو عشر دقائق من الانتظار طويلة للغاية إذا كان الشخص يراقب الساعة، بينما تمر ساعتان سريعًا عندما يكون مندمجًا في فيلم أو محادثة ممتعة. هذا هو الإحساس بالوقت أثناء وقوعه، ويتأثر بدرجة الانتباه والملل والانشغال والحالة العاطفية.

لكن عندما نقول إن شهرًا أو عامًا «مر بسرعة»، فنحن لا نقيس الدقائق التي شعرنا بها في حينها، بل ننظر إلى الفترة من الخلف ونحاول تقدير حجمها من خلال ما بقي منها في الذاكرة.

وتوضح مراجعة علمية عن الشيخوخة وإدراك الزمن أن الاعتقاد بأن الوقت يتسارع مع العمر يرتبط بدرجة أكبر بنظرتنا الاسترجاعية إلى السنوات الماضية، وليس بالضرورة بقدرة كبار السن على تقدير الثواني والدقائق أثناء مرورها.

ولهذا قد يمر يوم مزدحم سريعًا في أثناء عيشه، لكنه يبدو طويلًا عند تذكره إذا احتوى على أحداث عديدة. وفي المقابل، قد يبدو أسبوع رتيبًا بطيئًا خلال أيامه، ثم ينكمش في الذاكرة؛ لأنه لم يترك سوى عدد محدود من العلامات المميزة.

السنة تصبح جزءًا أصغر من الحياة

يقدم ما يُعرف بـ«التفسير النسبي» إجابة بسيطة: كل سنة جديدة تمثل جزءًا أصغر من مجموع حياة الإنسان.

فعندما يبلغ الطفل عشر سنوات، تعادل السنة الواحدة 10 في المئة من حياته التي عاشها. أما بالنسبة إلى شخص في الخمسين، فلا تمثل السنة سوى 2 في المئة من تجربته العمرية.

ووفق هذا التصور، لا تصبح السنة أقصر في حقيقتها، لكنها تبدو أصغر عند مقارنتها بكل ما سبقها. ويمثل الانتقال من العاشرة إلى الحادية عشرة تغيرًا نسبيًا أكبر بكثير من الانتقال من الخمسين إلى الحادية والخمسين.

ويتميز هذا التفسير بسهولة فهمه، لكنه أقرب إلى نموذج ذهني منه إلى آلية عصبية مثبتة؛ فهو يصف الطريقة التي قد نقارن بها الفترات الزمنية، لكنه لا يفسر وحده كيفية صنع الدماغ لهذا الإحساس.

الذاكرة لا تسجل الأيام بالتساوي

يركز تفسير آخر على عدد الأحداث الجديدة التي يسجلها الدماغ. فالطفولة والمراهقة تمتلئان بالتجارب الأولى: أول يوم دراسي، وأول رحلة، وأول صداقة، وأول وظيفة، إلى جانب أماكن وأشخاص ومهارات يواجهها الإنسان للمرة الأولى.

وتجبر هذه التجارب الدماغ على الانتباه وتكوين ذكريات منفصلة، فتبدو الفترة عند استرجاعها ممتلئة وطويلة.

أما مع التقدم في العمر، فقد يزداد تشابه الأيام: الطريق نفسه إلى العمل، والمهام نفسها، والأماكن والأشخاص أنفسهم. وعندما لا يجد الدماغ اختلافات كافية بين يوم وآخر، تندمج الأسابيع المتشابهة في الذاكرة كأنها وحدة واحدة.

ولا يعني ذلك أن الأشخاص الأكبر سنًا لا يصنعون ذكريات جديدة، بل إن الروتين يقلل عدد العلامات التي يمكن استخدامها لاحقًا لتقسيم الفترة الزمنية واسترجاع تفاصيلها.

وهنا لا يختصر الروتين الوقت أثناء حدوثه بالضرورة، لكنه قد يضغطه بعد انتهائه. فالشهر الذي لم يحمل أحداثًا مميزة قد يبدو قصيرًا عند العودة إليه؛ لأن الذاكرة لم تكتب له سوى عناوين قليلة.

ماذا كشفت صور الدماغ؟

قدمت دراسة منشورة عام 2025 في دورية Communications Biology مؤشرًا عصبيًا يمكن أن يساعد في تفسير الظاهرة، وإن لم تقدم إجابة نهائية عنها.

وحلل الباحثون صورًا لأدمغة 577 شخصًا تراوحت أعمارهم بين 18 و88 عامًا، في أثناء مشاهدتهم فيلمًا مدته ثماني دقائق، واستخدموا تقنية لتحديد اللحظات التي ينتقل فيها نشاط الدماغ من حالة إلى أخرى.

ووجدت الدراسة أن حالات النشاط العصبي أصبحت أطول مع زيادة العمر، ولا سيما في المناطق البصرية ومناطق من قشرة الفص الجبهي. وبعبارة مبسطة، سجلت أدمغة المشاركين الأكبر سنًا عددًا أقل من التحولات العصبية خلال الفترة نفسها.

وقد يعني ذلك أن الدماغ، مع التقدم في العمر، يقسم التجربة المستمرة إلى وحدات أقل وأكثر طولًا، فتتراجع درجة التمايز بين اللحظات المتعاقبة.

لكن الدراسة لم تطلب من المشاركين تقدير سرعة مرور سنوات حياتهم، ولم تثبت أن تغير النشاط العصبي هو الذي يسبب مباشرة الإحساس بأن الزمن يتسارع. كما وجدت أن قدرة الدماغ العامة على التعرف على الحدود بين أحداث الفيلم ظلت محفوظة رغم التقدم في العمر.

لذلك تقدم النتائج آلية محتملة تساعد على التفسير، لا دليلًا نهائيًا يحسم المسألة.

هل يستقبل الدماغ صورًا أقل؟

طرح أستاذ الهندسة الميكانيكية في جامعة ديوك، أدريان بيجان، تفسيرًا آخر في بحث نُشر عام 2019.

ويميز بيجان بين «وقت الساعة» الثابت و«وقت العقل» الذي يتشكل من الصور والتغيرات التي يدركها الإنسان. ويفترض أن معدل معالجة الصور الذهنية الجديدة يتراجع تدريجيًا مع العمر؛ بسبب تغيرات في حركة العين ومسارات نقل الإشارات داخل الجهاز العصبي.

ووفق هذا التصور، يستقبل الطفل عددًا أكبر من الصور والتغيرات خلال الفترة الزمنية نفسها، فتبدو له أطول وأكثر امتلاءً، بينما تمر الفترة بصورة أسرع عندما يقل عدد الصور الجديدة التي يعالجها الدماغ.

لكن هذا النموذج يمثل تفسيرًا نظريًا يربط مبادئ فيزيائية وعصبية بإدراك الزمن، وليس نتيجة تجربة أثبتت بصورة مباشرة أن جميع الناس يشعرون بتسارع الوقت للسبب نفسه.

دور الانتباه والدوبامين

لا يمتلك الدماغ عضوًا واحدًا مسؤولًا عن قياس الوقت، كما تتولى العين مهمة الرؤية أو الأذن مهمة السمع. ويعتمد إدراك الزمن على شبكة من العمليات تشمل الانتباه والذاكرة واتخاذ القرار والحركة والحالة العاطفية.

وتشير المراجعات العلمية إلى أن التقدم الطبيعي في العمر قد يزيد مقدار عدم اليقين في تقدير الفترات الزمنية؛ بسبب تغيرات في الانتباه والذاكرة، وربما نتيجة تراجع دقة بعض آليات التوقيت المرتبطة بالتفاعل بين الدوبامين والغلوتامات في دوائر الدماغ.

لكن هذا لا يعني أن انخفاض الدوبامين يفسر وحده شعور الإنسان بأن الأعوام تمر أسرع. فالدراسات المتعلقة بالدوبامين تتناول غالبًا تقدير فترات قصيرة تتراوح من أجزاء الثانية إلى الدقائق، بينما يعتمد الإحساس بمرور السنوات بدرجة كبيرة على الذاكرة وطريقة تنظيم أحداث الحياة.

هل يمكن إبطاء الوقت؟

لا يمكن بطبيعة الحال إبطاء الساعة، لكن من الممكن زيادة عدد العلامات التي تتركها الأيام في الذاكرة.

وقد تساعد تجربة نشاط جديد، أو تعلم مهارة، أو زيارة مكان مختلف، أو تغيير بعض تفاصيل الروتين، في تكوين ذكريات أكثر تمايزًا. وليس المطلوب أن تتحول الحياة إلى سلسلة متواصلة من المغامرات؛ فقد يكفي تغيير الطريق المعتاد، أو بدء مشروع صغير، أو لقاء أشخاص جدد، أو توثيق أحداث اليوم بدل ترك الأسابيع تتشابه بلا حدود واضحة.

كما قد يساعد توجيه الانتباه إلى التفاصيل المحيطة، والابتعاد أحيانًا عن أداء المهام بصورة تلقائية، في جعل التجربة أكثر حضورًا في الوعي والذاكرة.

ولا تثبت الأبحاث أن هذه الممارسات ستجعل اليوم يبدو أطول في كل لحظة، لكنها قد تجعل الشهر أو العام أكثر امتلاءً عند استرجاعه؛ لأن الذاكرة ستجد أحداثًا تفصل بدايته عن نهايته.

فالزمن لا يضغط على زر السرعة مع تقدمنا في العمر. ما يتغير هو مقدار ما نلاحظه، وعدد الأحداث التي نفصل بينها، والصفحات التي تحتفظ بها الذاكرة من أيام متشابهة. الساعة تواصل سيرها بالمعدل نفسه، لكن العقل قد يكتفي بكتابة عناوين أقل.

 

المصدر: الإندبندنت


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا