بعد رفض لندن التعويضات.. دول الكاريبي تلوّح باللجوء إلى القضاء
بعد رفض لندن التعويضات.. دول الكاريبي تلوّح باللجوء إلى القضاء
تعمل دول الكاريبي على إعداد خطة مشتركة تتضمن خيارات قانونية للضغط على بريطانيا من أجل الدخول في مفاوضات بشأن تعويضات العبودية والاستعمار، بعدما جددت الحكومة البريطانية رفضها دفع أي تعويضات.
وقال مسؤولون شاركوا في مؤتمر إقليمي عُقد في باربادوس إن الأولوية لا تزال للتفاوض، ولا سيما خلال اجتماعات الأمم المتحدة وقمة الكومنولث المقبلة، لكن استمرار رفض لندن قد يدفع دول المنطقة إلى نقل القضية إلى هيئات قضائية دولية.
ولا تعني الخطوة أن دعوى جماعية رُفعت بالفعل ضد بريطانيا أو أن حكمًا ملزمًا بالتعويض أصبح قريبًا. فما يجري حاليًا هو بناء استراتيجية تجمع بين الضغط الدبلوماسي والمسارات القانونية، بالتوازي مع عريضة قدمتها جامايكا بالفعل إلى الملك تشارلز الثالث.
خطة مشتركة لمواجهة الرفض البريطاني

استضافت باربادوس بين 17 و19 سبتمبر/أيلول مؤتمر كاريكوم الإقليمي الثالث للتعويضات، بمشاركة مسؤولين وخبراء وممثلين عن لجان التعويضات في دول الكاريبي وأفريقيا.
وقالت الأمينة العامة لمجموعة الكاريبي «كاريكوم» كارلا بارنيت إن المؤتمر يهدف إلى توحيد المواقف وتعزيز استراتيجية المنطقة للحصول على ما تصفه المجموعة بـ«العدالة التعويضية» عن استعباد الأفارقة وإبادة السكان الأصليين وآثار الاستعمار.
وبحسب صحيفة الغارديان، يعمل المسؤولون على إعداد خطة متعددة المسارات تتضمن خيارات قانونية يمكن استخدامها إذا رفضت بريطانيا الدخول في مفاوضات مباشرة.
وقال رئيس وزراء سانت فنسنت والغرينادين السابق رالف غونسالفيس، الذي يعمل مستشارًا لحملة التعويضات، إن المؤتمر يمثل خطوة نحو الاتفاق على استراتيجية موحدة تدفع بريطانيا إلى طاولة التفاوض.
وأضاف أن معالجة آثار العبودية التي امتدت قرونًا لن تتم باتفاق قصير الأجل، داعيًا إلى خطة واقعية تمتد عبر أجيال وتتضمن التزامات محددة من الدول التي استفادت من تجارة الرقيق والاستعمار.
ما المسارات القانونية المطروحة؟

قال نائب رئيس فريق العمل الوطني للتعويضات في باربادوس ديفيد كوميسيونغ إن دول المنطقة تدرس «عدة استراتيجيات قانونية»، وليس دعوى واحدة محددة.
ويشمل أحد الخيارات البناء على العريضة التي قدمتها جامايكا إلى الملك تشارلز، بينما يتمثل خيار آخر في السعي إلى الحصول على رأي استشاري من محكمة العدل الدولية بشأن الالتزامات القانونية المترتبة على الدول التي مارست العبودية والاستعمار.
لكن اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لم يتحول بعد إلى إجراء رسمي، كما لم تُعلن دول كاريكوم الآلية التي ستستخدمها لطلب الرأي الاستشاري أو الأسئلة القانونية التي تريد طرحها على المحكمة.
ولا يصدر عن الرأي الاستشاري عادة حكم تنفيذي يلزم دولة بدفع مبلغ محدد، لكنه قد يمنح المطالب السياسية أساسًا قانونيًا أقوى ويزيد الضغط على بريطانيا للدخول في مفاوضات.
جامايكا تقدم عريضة إلى الملك
سبقت جامايكا بقية دول المنطقة إلى اختبار أحد المسارات القانونية، إذ قدمت وزيرة الثقافة أوليفيا غرانج في السابع من سبتمبر/أيلول عريضة رسمية إلى الملك تشارلز الثالث، بصفته ملك جامايكا.
وتطلب العريضة من الملك إحالة ثلاثة أسئلة إلى اللجنة القضائية لمجلس الملك للحصول على رأي قانوني بشأنها، وفق مكتبة مجلس العموم.
ويتعلق السؤال الأول بما إذا كان استعباد الأفارقة ونقلهم قسرًا إلى جامايكا متوافقًا أصلًا مع القانون الإنجليزي في ذلك الوقت. ويتناول الثاني ما إذا كانت هذه الممارسات انتهكت التزامات ومبادئ في القانون الدولي، بينها حظر العبودية والتعذيب والتمييز العنصري والجرائم ضد الإنسانية.
أما السؤال الثالث فيطلب تحديد ما إذا كانت على بريطانيا مسؤولية قانونية لتقديم معالجة تعويضية إلى شعب جامايكا عن الأضرار المستمرة الناتجة من العبودية.
ووقع العريضة كل من المدعي العام الجامايكي ووزيرة الثقافة ورئيس المجلس الوطني للتعويضات، وحظيت بتأييد واسع من قادة دول أخرى داخل كاريكوم، وفق وكالة أسوشيتد برس.
ولا تتضمن العريضة مطالبة بمبلغ مالي محدد، بل تسعى أولًا إلى إثبات وجود أساس قانوني يلزم بريطانيا بتقديم شكل من أشكال المعالجة أو التعويض.
هل يستطيع الملك إحالة القضية؟
تستند جامايكا إلى المادة الرابعة من قانون اللجنة القضائية لعام 1833، التي تسمح للملك بإحالة مسائل قانونية أو دستورية إلى اللجنة القضائية لمجلس الملك للحصول على رأي استشاري.
لكن سلطة الملك ليست شخصية مطلقة؛ إذ يعمل وفق مشورة الوزراء المختصين. كما أن قبول العريضة وإحالتها إلى اللجنة لم يُحسم بعد.
وتوضح مكتبة مجلس العموم أن الآراء التي تصدر عبر هذه الآلية استشارية، وليست أحكامًا ملزمة بالمعنى المعتاد، وأن اللجنة تستطيع الامتناع عن تقديم إجابة موضوعية إذا رأت أن القضية لا تناسب هذا المسار.
ووصف العضو السابق في مجلس الملك والمحكمة العليا اللورد جوناثان سامبشن الاستراتيجية بأنها سياسية وأخلاقية أكثر منها قانونية. وفي المقابل، يقول محامو جامايكا إن القانون يتيح للملك إحالة الأسئلة التي لا يمكن حسمها عبر المحاكم العادية، وإن القضية تتعلق بمسؤولية الدولة البريطانية نفسها لا بمطالبة فردية تقليدية.
تعويضات مالية أم برنامج أوسع؟
لا تحصر كاريكوم مطالبها في دفع مبالغ مالية مباشرة. فقد أعادت المجموعة خلال مؤتمر باربادوس إطلاق نسخة موسعة من خطتها ذات النقاط العشر للعدالة التعويضية، التي اعتمدها قادة الدول الأعضاء في يوليو/تموز.
وتشمل الخطة اعتذارًا رسميًا، وبرامج للصحة العامة والتعليم وإعادة التأهيل النفسي والثقافي، ودعم مجتمعات السكان الأصليين، وإلغاء الديون، وإعادة الممتلكات الثقافية، إلى جانب التعويض المالي.
وقالت رئيسة وزراء باربادوس ميا موتلي إن دول المنطقة لا تسعى إلى إفلاس بريطانيا، وإنما إلى الاعتراف بالضرر ووضع برنامج طويل الأجل لمعالجة آثاره.
وتقول كاريكوم إن 12 دولة عضوًا أنشأت بالفعل لجانًا أو هيئات وطنية للتعويضات، ما ينقل الملف تدريجيًا من حملات المجتمع المدني والمؤرخين إلى عمل منظم تقوده الحكومات.
دعم دولي متزايد لكن غير ملزم

اكتسبت حملة التعويضات دفعة سياسية في مارس/آذار 2026، عندما أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يصف الاتجار بالأفارقة واستعبادهم على أساس عرقي بأنه من أخطر الجرائم ضد الإنسانية، ويدعو إلى اتخاذ تدابير للعدالة التعويضية.
وصوتت 123 دولة لمصلحة القرار، بينما عارضته ثلاث دول وامتنعت 52 دولة عن التصويت، بينها بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية.
لكن قرار الجمعية العامة غير ملزم قانونيًا، ولا يحدد قيمة التعويضات أو الجهات التي يتعين عليها دفعها. وتكمن أهميته بالنسبة إلى دول الكاريبي في توفير مرجعية سياسية دولية يمكن استخدامها داخل الأمم المتحدة وأمام الهيئات القضائية.
كما تعتزم كاريكوم طرح القضية خلال قمة رؤساء حكومات الكومنولث المقرر عقدها في أنتيغوا وبربودا في نوفمبر/تشرين الثاني، على أمل دفع بريطانيا إلى قبول محادثات محددة بشأن المسؤولية التاريخية وآثارها المعاصرة.
لندن تغلق الباب حتى الآن
في المقابل، لا تبدي الحكومة البريطانية استعدادًا لتغيير موقفها. فقد قال متحدث رسمي باسم رئيس الوزراء آندي بيرنهام في الثامن من سبتمبر/أيلول إن موقف الحكومة واضح، وإن المملكة المتحدة «لا تدفع ولن تدفع تعويضات».
وأضاف المتحدث أن تجارة الرقيق عبر الأطلسي كانت أمرًا بغيضًا، وأن الاعتراف بأخطاء الماضي ضروري، لكنه شدد على أن الحكومة تريد التركيز على التحديات الحالية والتعاون المستقبلي مع الدول الأخرى.

وهنا تقع المواجهة الأساسية: تريد لندن إبقاء الملف في نطاق الاعتراف التاريخي والتعاون التنموي، بينما تصر دول الكاريبي على أن الاعتراف من دون تفاوض أو معالجة للضرر لا يرقى إلى مستوى العدالة.
ولا تمنح أي من الأدوات القانونية المطروحة دول الكاريبي طريقًا سريعًا إلى تعويضات مالية أو وسيلة مباشرة لإجبار الحكومة البريطانية على التوقيع على اتفاق. لكنها قد ترفع الكلفة السياسية لاستمرار الرفض، وتنقل النقاش من سؤال ما إذا كانت العبودية جريمة أخلاقية إلى سؤال أصعب بالنسبة إلى لندن: هل خلّفت هذه الجريمة التزامًا قانونيًا لم ينتهِ بانتهاء الإمبراطورية؟
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇