العرب في بريطانيا | اتفاق الجمعة العظيمة.. كيف أنهى اتفاق تاريخي عق...

اتفاق الجمعة العظيمة.. كيف أنهى اتفاق تاريخي عقودًا من الصراع في أيرلندا الشمالية؟

اتفاق الجمعة العظيمة.. كيف أنهى اتفاق تاريخي عقودًا من الصراع في أيرلندا الشمالية؟
رنيم شلطف سبتمبر 18, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في 10 أبريل/نيسان 1998، شهدت بلفاست لحظة سياسية أنهت واحدة من أكثر مراحل العنف اضطرابًا في التاريخ الحديث لبريطانيا وأيرلندا. ففي ذلك اليوم، وقّعت الحكومتان البريطانية والأيرلندية ومعظم الأحزاب السياسية الرئيسية في أيرلندا الشمالية اتفاق الجمعة العظيمة، المعروف أيضًا باسم اتفاق بلفاست، بعد نحو ثلاثة عقود من الصراع والعنف.

لم يكن الاتفاق مجرد تسوية سياسية، بل وضع إطارًا جديدًا لكيفية إدارة أيرلندا الشمالية، وللعلاقات بين مكوناتها، وكذلك لعلاقاتها مع جمهورية أيرلندا وبريطانيا.

كيف بدأت الأزمة؟

كان الصراع في أيرلندا الشمالية مرتبطًا بشكل أساسي بالخلاف حول مستقبل المنطقة.

فقد أراد القوميون والجمهوريون، وغالبيتهم من الكاثوليك، قيام أيرلندا موحدة، بينما تمسك الاتحاديون، وغالبيتهم من البروتستانت، ببقاء أيرلندا الشمالية جزءًا من بريطانيا.

تحول الخلاف السياسي والهوياتي إلى صراع عنيف منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، عُرف باسم الاضطرابات (The Troubles)، وشهد هجمات مسلحة وعمليات قتل ومواجهات بين جماعات مسلحة وقوات الأمن، إلى جانب انقسامات عميقة داخل المجتمع.

وبعد سنوات من المحاولات السياسية غير الناجحة، بدأت عملية السلام تحقق تقدمًا في تسعينيات القرن الماضي، وصولًا إلى مفاوضات متعددة الأطراف قادت إلى اتفاق 1998.

ماذا نص عليه الاتفاق؟

أرسى اتفاق الجمعة العظيمة نظامًا جديدًا يقوم على تقاسم السلطة بين التيارات السياسية المختلفة، وأنشأ جمعية أيرلندا الشمالية وحكومة تنفيذية لتولي معظم القضايا الداخلية.

كما وضع الاتفاق ثلاثة مسارات للتعاون السياسي: داخل أيرلندا الشمالية، وبين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا، وبين بريطانيا وأيرلندا.

وأقر الاتفاق كذلك مبدأ أساسيًا بشأن مستقبل أيرلندا الشمالية: لا يمكن تغيير وضعها الدستوري من دون موافقة أغلبية سكانها. وبذلك بقيت المنطقة جزءًا من بريطانيا، مع فتح الباب أمام تغيير وضعها مستقبلًا إذا اختارت الأغلبية ذلك عبر الوسائل الديمقراطية.

الهوية.. بريطاني أم أيرلندي؟

من أبرز ما حمله الاتفاق اعترافه بحق سكان أيرلندا الشمالية في تعريف أنفسهم كما يختارون، سواء باعتبارهم بريطانيين أو أيرلنديين أو الاثنين معًا، مع حقهم في حمل الجنسية البريطانية أو الأيرلندية أو كلتيهما.

وكان ذلك جزءًا من محاولة معالجة أحد جذور الصراع: ليس فقط من يحكم أيرلندا الشمالية، وإنما كيف يعرّف سكانها أنفسهم وإلى أي مجتمع ينتمون.

من الاتفاق إلى السلام

وافق الناخبون على الاتفاق في استفتاءين متزامنين في أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا في 22 مايو/أيار 1998، ودخل الاتفاق حيز التنفيذ في ديسمبر/كانون الأول 1999.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح الاتفاق الأساس السياسي لعملية السلام في أيرلندا الشمالية، وساهم في انتقال الخلافات من ساحات العنف إلى المؤسسات السياسية، رغم أن تطبيق نظام تقاسم السلطة شهد لاحقًا أزمات وتعليقًا متكررًا للمؤسسات.

ولم ينهِ الاتفاق كل الخلافات؛ فما زال مستقبل أيرلندا الشمالية والعلاقة مع جمهورية أيرلندا وبريطانيا قضايا سياسية حساسة. لكن جوهر الاتفاق بقي قائمًا: الخلاف حول المستقبل يجب أن يُحسم بالوسائل الديمقراطية، وليس بالعنف.

وبعد أكثر من 28 عامًا على توقيعه، لا يزال اتفاق الجمعة العظيمة يمثل الإطار السياسي الذي تقوم عليه عملية السلام في أيرلندا الشمالية.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا