ليست الهجرة ولا الجريمة.. ما القضية التي تقلق البريطانيين أكثر؟
رغم تصدّر الهجرة والجريمة والاقتصاد جانبًا كبيرًا من النقاش السياسي في بريطانيا، تكشف أحدث البيانات أن تكلفة المعيشة لا تزال القضية الأكثر إثارة للقلق لدى البريطانيين، في ظل استمرار الضغوط على ميزانيات الأسر وارتفاع أسعار بعض الاحتياجات الأساسية.
وأظهر أحدث استطلاع “مكتب الإحصاء الوطني” أن 89 في المئة من البالغين في بريطانيا العظمى وضعوا تكلفة المعيشة ضمن أهم القضايا التي تواجه البلاد.
وجاءت هيئة الصحة الوطنية (NHS) في المرتبة التالية بنسبة 79 في المئة، ثم الاقتصاد بنسبة 70 في المئة، بينما ذكر 62 في المئة تغير المناخ والبيئة، و61 في المئة الهجرة، و58 في المئة الجريمة.
وكان بإمكان المشاركين اختيار أكثر من قضية، لذلك لا تعكس هذه النسب اختيار قضية واحدة فقط. لكنها توضح أن الضغوط المرتبطة بالإنفاق اليومي والفواتير لا تزال حاضرة بقوة، رغم المساحة الكبيرة التي تشغلها قضايا الهجرة والجريمة في النقاش السياسي والإعلامي.
تكلفة المعيشة تتراجع.. لكن الضغوط مستمرة

وتشير البيانات إلى أن حدة ارتفاع تكاليف المعيشة بدأت تتراجع مقارنة بالأشهر السابقة.
ففي أغسطس، قال 55 في المئة من المشاركين إن تكلفة معيشتهم ارتفعت مقارنة بالشهر السابق، وهي نسبة أقل بكثير من 79 في المئة المسجلة في أبريل، كما تقل عن 62 في المئة المسجلة في الفترة نفسها من العام الماضي.
ويعني ذلك أن عددًا أقل من الناس بات يشعر بارتفاع تكاليفه من شهر إلى آخر، لكنه لا يعني بالضرورة أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة.
فثمة فرق بين تباطؤ ارتفاع الأسعار وبين انخفاضها. وقد تتوقف الأسرة عن مواجهة زيادات كبيرة في فواتيرها من شهر إلى آخر، بينما تظل الأسعار التي تدفعها أعلى بكثير مما كانت عليه قبل سنوات.
وهذا قد يفسر استمرار تكلفة المعيشة في صدارة القضايا التي تشغل البريطانيين، رغم انخفاض نسبة من يقولون إن تكاليفهم ارتفعت خلال الفترة الأخيرة.
الغذاء في صدارة الضغوط
وكان الغذاء العامل الأبرز بين الأشخاص الذين شعروا بارتفاع تكلفة معيشتهم.
وقال 94 في المئة منهم إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية كان أحد أسباب زيادة تكاليفهم، بينما أشار 72 في المئة إلى الوقود، و64 في المئة إلى فواتير الغاز أو الكهرباء.
وتأتي هذه النتائج في وقت ارتفع فيه معدل التضخم في بريطانيا إلى 3.1 في المئة خلال أغسطس، مقارنة بـ2.9 في المئة في يوليو.
لكن معدل التضخم العام لا يعكس بالضرورة تجربة كل أسرة مع الأسعار.
فالأسر لا تنفق على «متوسط التضخم»، وإنما تدفع ثمن الطعام والوقود والطاقة والسكن، وهي نفقات أساسية تتكرر بصورة مستمرة.
لذلك، حتى مع بقاء التضخم أقل بكثير من المستويات التي شهدتها بريطانيا خلال أزمة 2022 و2023، يمكن للأسر أن تستمر في الشعور بالضغط إذا ظلت بعض النفقات الرئيسية مرتفعة.
الإيجارات تضيف عبئًا مستمرًا

ولا يأتي الإيجار ضمن الأسباب الثلاثة الأولى التي ذكرها المشاركون لارتفاع تكاليفهم خلال الشهر الأخير، لكنه يمثل عبئًا مختلفًا، نظرًا إلى أنه يشكل نفقة كبيرة تقتطع جزءًا من دخل الأسرة بصورة منتظمة.
وأظهرت أحدث بيانات الإيجارات أن متوسط الإيجار الخاص في بريطانيا بلغ 1,400 باوند شهريًا في أغسطس، بزيادة 3.8 في المئة خلال عام.
وفي إنجلترا، بلغ متوسط الإيجار 1,459 باوند شهريًا، بينما وصل في لندن إلى 2,332 باوند.
وبالتالي، لا تحتاج الأسرة بالضرورة إلى مواجهة زيادة جديدة في الإيجار خلال شهر معين حتى تشعر بضغوط السكن، إذ قد تكون تكاليفها الشهرية مرتفعة أصلًا.
كيف تتعامل الأسر مع ارتفاع التكاليف؟
تكشف بيانات الاستطلاع أيضًا عن تغييرات في سلوك الأسر للتعامل مع الضغوط المالية.
ومن بين الذين قالوا إن تكلفة معيشتهم ارتفعت، أفاد 59 في المئة بأنهم خفضوا الإنفاق على الأشياء غير الضرورية، بينما قال 43 في المئة إنهم أصبحوا يبحثون بصورة أكبر عن الأسعار والعروض المختلفة قبل الشراء.
لكن 38 في المئة قالوا إنهم خفضوا الإنفاق حتى على الطعام والاحتياجات الأساسية.
ويشير ذلك إلى أن تأثير ارتفاع التكاليف لا يقتصر على شعور الناس بالضغط المالي، بل يمتد إلى الطريقة التي تدير بها الأسر ميزانياتها.
فخفض الإنفاق على المطاعم أو تأجيل شراء بعض السلع يختلف عن تقليص الإنفاق على الطعام والاحتياجات الأساسية.
الفئة العمرية الأكثر قلقًا

وقال 62 في المئة من البالغين إنهم كانوا قلقين جدًا أو إلى حد ما بشأن ارتفاع تكلفة المعيشة خلال الأسبوعين السابقين للاستطلاع.
لكن مستوى القلق اختلف بين الفئات العمرية.
وبلغت النسبة 69 في المئة بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و49 عامًا، مقارنة بـ62 في المئة بين الفئة من 16 إلى 29 عامًا، و59 في المئة بين من تتراوح أعمارهم بين 50 و69 عامًا، و52 في المئة بين من تبلغ أعمارهم 70 عامًا فأكثر.
وقد ترتبط هذه الفروق باختلاف الالتزامات المالية بين المراحل العمرية، إذ تتزامن سنوات الثلاثينيات والأربعينيات لدى كثير من الأشخاص مع تكاليف السكن وتربية الأطفال والتنقل وغيرها من النفقات. لكن استطلاع مكتب الإحصاء الوطني لا يحدد سبب هذه الفروق بشكل مباشر.
القلق بشأن الوظائف يرتفع
وفي مؤشر آخر، اعتبر 54 في المئة من المشاركين أن التوظيف من القضايا المهمة التي تواجه بريطانيا.
وترتفع هذه النسبة بصورة واضحة مقارنة بالسنوات السابقة؛ فقد بلغت 42 في المئة في الفترة نفسها من عام 2025، و31 في المئة في 2024.
ويتزامن ذلك مع مؤشرات على تراجع حجم العمالة المسجلة عبر نظام PAYE، إذ تشير التقديرات الأولية إلى أن عدد الموظفين على كشوف الرواتب بلغ نحو 30.2 مليونًا في أغسطس، بانخفاض 0.5 في المئة مقارنة بالعام السابق.
ويشير ذلك إلى أن الضغوط المرتبطة بتكلفة المعيشة لا تتعلق فقط بارتفاع ما تدفعه الأسر، وإنما ترتبط أيضًا بالقلق بشأن استقرار الدخل الذي تعتمد عليه لتغطية هذه النفقات.
لماذا تبقى تكلفة المعيشة القضية الأبرز؟
تكمن أهمية تكلفة المعيشة في أنها ترتبط مباشرة بالتفاصيل اليومية لحياة الأسر.
فالهجرة والجريمة وNHS والاقتصاد ملفات أساسية في النقاش العام، لكن تكلفة المعيشة تظهر بصورة متكررة في الحياة اليومية، من أسعار المواد الغذائية والوقود إلى فواتير الطاقة والإيجار أو أقساط المورغيج.
ولهذا، ورغم تراجع نسبة من يشعرون بأن تكاليفهم ترتفع من شهر إلى آخر، فإن مستوى الأسعار الذي وصلت إليه الأسر لا يزال حاضرًا في ميزانياتها وفي نظرتها إلى الوضع الاقتصادي في بريطانيا.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇