تقرير: ندفع أكثر.. فلماذا لا تتحسن الخدمات العامة في بريطانيا؟
تقرير: ندفع أكثر.. فلماذا لا تتحسن الخدمات العامة في بريطانيا؟
يدفع البريطانيون ضرائب أكثر مما كانوا يدفعونه قبل سنوات قليلة، وتنفق الدولة بدورها أموالًا أكثر، لكن التجربة اليومية لكثير من الناس لا تبدو وكأنها تعكس هذه الزيادة.
ولا تزال قائمة انتظار العلاج في إنجلترا تضم ملايين الحالات، وتتحدث المجالس المحلية باستمرار عن ضغوط مالية، بينما ترتفع فواتير ضريبة المجلس في مناطق عديدة عامًا بعد عام.
وهنا تظهر مفارقة تبدو بسيطة: إذا كانت الدولة تحصل على أموال أكثر، فأين تذهب؟ ولماذا لا يشعر المواطن بأن الخدمات العامة تتحسن بالمعدل نفسه؟
الإجابة ليست أن الأموال اختفت، ولا أن الإنفاق الحكومي انخفض ببساطة. المشكلة أكثر تعقيدًا: أصبحت بريطانيا دولة تجمع أكثر وتنفق أكثر، لكنها تواجه أيضًا تكاليف والتزامات أكبر بكثير.
الضرائب تتجه إلى مستوى تاريخي

تُظهر توقعات مكتب مسؤولية الميزانية (OBR) حجم التحول.
ففي السنة المالية 2019-20، كانت الضرائب تعادل نحو 32.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويتوقع المكتب أن تصل النسبة إلى 38.3 في المئة بحلول 2030-31، وهو مستوى تاريخي مرتفع في بريطانيا.
ولا تأتي الزيادة من ضريبة واحدة؛ فضريبة الدخل والتأمين الوطني وضرائب الشركات والضرائب على رأس المال وغيرها تشكل معًا حصيلة أكبر قياسًا إلى حجم الاقتصاد.
كما أن تجميد حدود شرائح ضريبة الدخل يمكن أن يدفع أشخاصًا إلى شرائح ضريبية أعلى مع ارتفاع أجورهم، حتى دون رفع النسبة الرسمية للضريبة التي يدفعونها.
ومن الطبيعي، لذلك، أن تشعر أسر كثيرة بأنها تدفع للدولة حصة أكبر من دخلها.
لكن الضرائب ليست سوى نصف القصة.
الحكومة أيضًا تنفق أكثر
إذا كانت الضرائب ترتفع، فقد يبدو التفسير البسيط لسوء الخدمات هو أن الحكومة لا تعيد إنفاق الأموال عليها.
لكن الأرقام لا تدعم هذا التفسير بهذه البساطة.
يتوقع OBR أن تبلغ إيرادات القطاع العام نحو 1.235 تريليون باوند في 2025-26، أي ما يعادل نحو 43 ألف باوند لكل أسرة، في حين يبلغ الإنفاق نحو 1.368 تريليون باوند، أو قرابة 48 ألف باوند لكل أسرة.
أي إن الدولة لا تنفق فقط كل ما تحصل عليه تقريبًا، وإنما تنفق أكثر من إيراداتها وتغطي الفارق بالاقتراض.
كما ارتفع إجمالي الإنفاق العام كنسبة من الاقتصاد مقارنة بما كان عليه قبل جائحة كورونا.
إذن، السؤال الأدق ليس: لماذا لا تنفق الحكومة الضرائب؟
بل: ما الذي أصبح يكلّف الحكومة كل هذه الأموال؟
مليارات لا تصل إلى مدرسة أو مستشفى
حدث أحد أكبر التغييرات بعيدًا عن الخدمات التي يراها المواطن مباشرة: فوائد الدين العام.
تتوقع أحدث تقديرات OBR أن تبلغ تكلفة فوائد الدين نحو 110 مليارات باوند في 2025-26، وأن ترتفع إلى نحو 137 مليارًا بحلول 2030-31.
ويمثل الإنفاق على فوائد الدين حاليًا نحو ضعف مستواه كنسبة من الاقتصاد، مقارنة بمتوسط السنوات العشر السابقة للجائحة.
وهذه أموال حقيقية تدفعها الخزانة، لكنها لا تعني طبيبًا إضافيًا، أو مدرسة جديدة، أو إصلاح حفرة في طريق.
فقد اقترضت الحكومة مبالغ ضخمة على مدى سنوات، وعندما ترتفع أسعار الفائدة أو التضخم، ترتفع تكلفة خدمة أجزاء من هذا الدين.
وهنا يظهر أول جزء من الإجابة: ارتفاع الإنفاق الحكومي لا يعني بالضرورة ارتفاع الإنفاق الذي يشعر به المواطن في حياته اليومية.
الصحة تأخذ حصة ضخمة.. لكن الطلب يرتفع أيضًا

ثم تأتي الخدمات نفسها.
والصحة مثال واضح على أن زيادة الميزانية لا تترجم تلقائيًا إلى إحساس سريع بالتحسن.
فقد أصبحت وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية أكبر وزارة إنفاقًا على الخدمات العامة، وبلغت ميزانية إنفاقها الجاري المقررة في 2025-26 نحو 202 مليار باوند، منها نحو 193 مليارًا لـNHS في إنجلترا.
ومع ذلك، أظهرت أحدث بيانات NHS England أن قائمة انتظار العلاج ارتفعت إلى نحو 7.3 مليون حالة في يوليو.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الأموال الإضافية لم تحقق شيئًا؛ ففي الشهر نفسه، سجلت NHS أعدادًا قياسية في بعض جوانب النشاط، بينها استقبال أكثر من 308 آلاف شخص بعد إحالتهم للاشتباه في إصابتهم بالسرطان، كما تحسنت المقاييس الثلاثة الرئيسة لانتظار علاج السرطان.
لكن المشكلة أن النظام يحاول زيادة نشاطه في الوقت الذي يواجه فيه طلبًا ضخمًا ومتزايدًا.
وهكذا، يمكن أن تتحسن قدرة الخدمة على علاج المرضى، بينما تظل قوائم الانتظار كبيرة بما يكفي لأن يشعر المريض بأن النظام لم يتحسن.
السكان يتغيرون.. وكذلك احتياجاتهم
هناك ضغط آخر لا يظهر دائمًا في النقاش حول الضرائب.
فمع تقدم السكان في العمر، ترتفع تكاليف الصحة والرعاية الاجتماعية والراتب التقاعدي الحكومي.
ويعيش عدد أكبر من الأشخاص مع أمراض مزمنة، ويحتاجون إلى خدمات صحية واجتماعية أكثر تعقيدًا.
وفي الوقت نفسه، ترتفع مدفوعات بعض المزايا الاجتماعية والراتب التقاعدي مع الأسعار أو الأجور.
وهذا يعني أن جزءًا من الإنفاق الإضافي لا يُستخدم بالضرورة لتقديم خدمة أفضل للشخص نفسه، وإنما لتلبية احتياجات أكبر وعدد أكبر من المستفيدين، والحفاظ على مستويات الدعم القائمة.
وبعبارة أخرى، قد تحتاج الحكومة إلى إنفاق المزيد لمجرد منع الخدمة من التراجع.
المجالس المحلية مثال أوضح
تظهر المشكلة بصورة أكثر وضوحًا عندما ينتقل المواطن من الضرائب الوطنية إلى ضريبة المجلس (Council Tax).
فقد ترتفع الفاتورة السنوية، بينما لا يرى المقيم بالضرورة مكتبة أفضل، أو طرقًا أنظف، أو جمعًا أكثر انتظامًا للنفايات.
والسبب هو أن جزءًا متزايدًا من موارد المجالس يُستهلك في خدمات إلزامية ومكلفة للغاية.
وتشير بيانات OBR إلى أن خدمات الإسكان والرعاية الاجتماعية للأطفال والبالغين أصبحت تمثل معًا نحو 30 في المئة من إنفاق المجالس المحلية على الخدمات في إنجلترا، مقارنة بنحو 20 في المئة في 2015-16.
وتواجه المجالس كذلك تكاليف متزايدة للإقامة المؤقتة للأسر المشردة، ونقل الأطفال ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، ورواتب العاملين، وتكاليف مقدمي الرعاية.
وهذه خدمات ضرورية لمن يحتاج إليها، لكنها أقل ظهورًا في الحياة اليومية لمعظم دافعي ضريبة المجلس.
لذلك، قد يدفع المقيم فاتورة أعلى، بينما يرى في الوقت نفسه ضغطًا على خدمات أكثر وضوحًا، مثل المكتبات والحدائق وتنظيف الشوارع وصيانة الطرق.
وهناك مشكلة قديمة لم تختفِ
جاءت زيادة الإنفاق في السنوات الأخيرة أيضًا بعد عقد شهد تخفيضات كبيرة في بعض الخدمات.
ويشير معهد الدراسات المالية (IFS) إلى أنه رغم عودة تمويل المجالس المحلية في إنجلترا إلى الارتفاع بالقيمة الحقيقية منذ 2019-20، ظل التمويل لكل مقيم أقل بكثير من مستواه في 2010-11.
وهذا فارق مهم؛ فالحكومة لا تبدأ من شبكة خدمات عامة سليمة ثم تضيف إليها أموالًا جديدة، وإنما تحاول، في بعض القطاعات، إصلاح تراكمات سابقة، والتعامل مع بنية تحتية قديمة، ونقص في القدرة الاستيعابية، وطلب متزايد.
لذلك، يمكن أن تُستهلك مليارات إضافية قبل أن تظهر للمواطن في صورة تحسن جديد وملموس.
التضخم يأكل جزءًا من الزيادة
هناك أيضًا فارق بين أن ترتفع الميزانية على الورق وأن تستطيع شراء المزيد بها.
فإذا ارتفعت أجور العاملين وأسعار الطاقة والأدوية والمواد الغذائية والبناء والعقود التي تشتري الدولة من خلالها خدماتها، فإن تقديم الخدمة نفسها يصبح أكثر تكلفة.
وأظهرت بيانات المالية العامة أن الإنفاق الحكومي على السلع والخدمات ارتفع جزئيًا بسبب زيادة الأجور والتضخم في تكاليف التشغيل.
وتبدو المشكلة شديدة الوضوح في المجالس المحلية، حيث قد ترتفع تكاليف الرعاية الاجتماعية أو نقل الأطفال أو الإقامة المؤقتة بوتيرة أسرع من التضخم العام.
لذلك، فإن مليار باوند إضافي اليوم لا يشتري بالضرورة المقدار نفسه من الخدمات الذي كان يشتريه قبل خمس سنوات.
الضرائب لا تذهب إلى صندوق واحد باسم «الخدمات العامة»
هناك أيضًا تصور يحتاج إلى بعض التصحيح.
فليس لكل باوند إضافي يدفعه المواطن في ضريبة الدخل مسار مباشر إلى مستشفى أو مدرسة.
وتدخل معظم الإيرادات الحكومية في منظومة المالية العامة الأوسع، التي تموّل الدولة من خلالها الخدمات والمزايا والرواتب التقاعدية والاستثمار وفوائد الدين ومجموعة واسعة من الالتزامات الأخرى.
وفي 2025-26، يتوقع OBR أن تنفق الحكومة أكثر مما تجمعه بنحو 133 مليار باوند.
وهذا يعني أن ارتفاع الضرائب لم يخلق فائضًا ماليًا ضخمًا تختار الحكومة ببساطة عدم استخدامه لتحسين الخدمات.
بل إن الدولة ما زالت تقترض رغم ارتفاع العبء الضريبي.
فهل يدفع البريطانيون أكثر مقابل خدمات أسوأ؟

ليس هناك جواب واحد ينطبق على كل خدمة.
بعض مؤشرات الأداء تتحسن، وبعض الخدمات تحصل على تمويل أكبر، وفي حالات أخرى لا يزال الأداء أضعف مما كان عليه قبل سنوات.
لكن الصورة العامة تكشف سبب المفارقة التي يشعر بها المواطن.
ارتفعت الضرائب، وارتفع الإنفاق أيضًا، لكن الطلب على الدولة وتكلفة تشغيلها ارتفعا معهما.
ويذهب جزء أكبر من الأموال إلى فوائد الدين، والصحة، والرعاية الاجتماعية، والراتب التقاعدي، وخدمات إلزامية متزايدة التكلفة، بينما يأكل التضخم جزءًا من القوة الشرائية للميزانيات.
وفوق ذلك، تحاول بعض الخدمات التعافي من تراكمات ومشكلات استمرت سنوات.
ولهذا، قد يكون السؤال الذي يواجه بريطانيا خلال السنوات المقبلة أصعب من مجرد الاختيار بين «رفع الضرائب» و«زيادة الإنفاق».
فإذا كانت الدولة تجمع حصة تاريخية من دخل البلاد، وتنفق حصة مرتفعة منه أيضًا، وما زال المواطن لا يشعر بتحسن مماثل في الخدمات، فإن القضية تصبح مرتبطة أيضًا بـمدى قدرة الدولة على تحويل كل باوند تجمعه إلى خدمة عامة أكثر كفاءة ووضوحًا في حياة الناس.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇