العرب في بريطانيا | الفلسطينيون في بريطانيا.. كيف ينتقلون من الحضور...

الفلسطينيون في بريطانيا: من الحضور إلى الفاعلية

الفلسطينيون في بريطانيا: من الحضور إلى الفاعلية

الفلسطينيون في بريطانيا: من الحضور إلى الفاعلية

أحمد النشاش سبتمبر 17, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

شهدت لندن، يوم الجمعة الماضي، 11 سبتمبر/أيلول، لقاءً فلسطينيًا مختلفًا في طبيعته ودلالاته. فقد اجتمع عدد من الفلسطينيين للتباحث في انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، المقرر إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني من هذا العام. إلا أن أهمية اللقاء تجاوزت موضوع الانتخابات ذاتها، وطرحت سؤالًا أوسع وأهم: كيف يمكن للفلسطينيين في بريطانيا أن يتحولوا من جالية حاضرة إلى قوة مدنية فاعلة ومؤثرة في المجتمع الذي يعيشون فيه؟

وخلص اللقاء إلى عدد من الأفكار والقرارات، من أبرزها رفض مبدأ التعيين، والمطالبة بأن تكون الانتخابات نزيهة وشفافة. وقد أتيحت لي فرصة الحديث في اللقاء، فأشرت إلى أن النقاش بشأن الانتخابات ينبغي ألا يبدأ بالمواقف والشعارات وحدها، وإنما بقضايا عملية وأساسية، في مقدمتها: من هم الفلسطينيون في بريطانيا؟ وكم يبلغ عددهم؟ وكيف يمكن التواصل معهم؟

فحتى الآن، وبحسب علمي، لا يوجد سجل فلسطيني رسمي شامل يبيّن أعداد الفلسطينيين في بريطانيا وأسماءهم ووسائل التواصل معهم. وإذا كنا نريد بناء عمل فلسطيني منظم وفاعل، فلا بد أن نعرف أولًا حجم المجتمع الذي نتحدث عنه.

وكان لافتًا أن اللقاء لم يكن محصورًا في اتجاه سياسي أو فكري واحد؛ فقد ضم فلسطينيين من خلفيات وتوجهات مختلفة، من الإسلامي إلى اليساري والقومي والوطني، كما جمع بين الشباب ومتوسطي الأعمار وكبار السن.

وكان الحضور متنوعًا أيضًا من حيث المناطق والأصول؛ إذ شارك فلسطينيون من عائلات أقامت في الأردن ولبنان، وآخرون من الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن فلسطينيي الداخل. وقد منح هذا التنوع اللقاء أهمية خاصة؛ لأنه قدّم نموذجًا لما يمكن أن يجمع الفلسطينيين رغم اختلافاتهم.

وهنا تكمن الفكرة التي أرى أنها تستحق أن تتحول إلى مشروع عملي.

لسنا بحاجة إلى توحيد الفلسطينيين

الفلسطينيون، مثل غيرهم من الشعوب، ليسوا كتلة واحدة من الناحية الفكرية أو السياسية. فبينهم اختلافات في الرؤى والانتماءات والتوجهات، ومن الصعب، وربما ليس من الضروري، البحث عن مشروع يوحّد الجميع فكريًا وسياسيًا.

لكن هناك فرقًا كبيرًا بين توحيد الناس على موقف واحد وإيجاد مظلة جامعة تجمعهم حول مصالح مشتركة.

يمكن للفلسطيني الإسلامي واليساري والقومي والوطني والمستقل أن يختلفوا في كثير من القضايا، لكنهم يستطيعون الاتفاق على ضرورة أن يكون للفلسطينيين حضور منظم وصوت مسموع في المجتمع البريطاني، وأن يتعاونوا في القضايا التي تخدم أبناءهم ومجتمعهم، وأن يساعدوا أهلهم في فلسطين بصورة أكثر تنظيمًا وفاعلية.

وهذا هو المشروع الذي نحتاج إليه.

الخطوة الأولى: أن نعرف أنفسنا

قد يتجاوز عدد الفلسطينيين في بريطانيا ثلاثين ألفًا، لكن العدد وحده لا يصنع قوة.

تبدأ القوة عندما يتحول العدد إلى مجتمع منظم، يعرف أفراده بعضهم بعضًا، ويستطيع التواصل فيما بينهم، ويعرف إمكاناتهم واحتياجاتهم، ويتمكن من حشدهم حول القضايا المشتركة.

ولهذا، يمكن أن يكون تسجيل الفلسطينيين في بريطانيا خطوة أولى وأساسية. وليس المقصود إنشاء سجل سياسي بالمعنى الحزبي، وإنما قاعدة بيانات طوعية وآمنة، تُصمم بعد استشارة قانونية متخصصة، وتلتزم القوانين البريطانية المتعلقة بحماية البيانات والخصوصية، بما يتيح للفلسطينيين التواصل فيما بينهم بصورة أفضل.

عندها فقط يمكن أن نعرف حجم هذا المجتمع وإمكاناته الحقيقية.

فإذا أردنا يومًا تنظيم حملة للتأثير في سياسة معينة، فإننا نحتاج إلى معرفة عدد الأشخاص الذين يمكن التواصل معهم.

وإذا أردنا دعم مرشح فلسطيني الأصل أو متعاطف مع قضايا الفلسطينيين، فإننا نحتاج إلى شبكة قادرة على التواصل والحشد.

وإذا أردنا إطلاق مشروع تعليمي أو اقتصادي أو اجتماعي، فإننا نحتاج إلى معرفة أصحاب الخبرات والاختصاصات.

وإذا أردنا تنظيم الدعم لأهلنا في غزة أو الضفة الغربية، فإن وجود شبكة فلسطينية منظمة يمكن أن يجعل جهودنا أكثر تنسيقًا وفاعلية.

من المظاهرات إلى المشاركة المدنية

لا شك أن الفلسطينيين في بريطانيا أثبتوا خلال السنوات الماضية قدرتهم على الحضور الشعبي. فقد شاركوا بوضوح في المظاهرات والمسيرات والفعاليات وإصدار البيانات المتعلقة بفلسطين، وأظهروا قدرة كبيرة على التعبئة الشعبية.

لكن المشاركة في المظاهرات، مهما كانت مهمة، ليست الشكل الوحيد للعمل العام.

فهناك فرق بين أن يكون لك حضور في الشارع وأن يكون لك وجود مؤسسي مستمر.

المجتمع الفاعل هو الذي يكون حاضرًا في السياسة والتعليم والاقتصاد والإعلام والعمل الخيري والجامعات والمجالس المحلية والنقابات والمؤسسات المدنية، وفي مختلف المجالات التي تشكّل الحياة العامة في بريطانيا.

ولذلك، فإن المطلوب ليس فقط أن نخرج إلى الشارع عندما تقع أزمة، وإنما أن نكون موجودين في الحياة البريطانية طوال العام.

هل يمكن أن يكون للفلسطينيين «لوبي»؟

قد تحمل كلمة «لوبي» معاني مختلفة، لكن المقصود هنا هو وجود شبكة مدنية وسياسية قانونية ومنظمة، تستطيع إيصال صوت الفلسطينيين ومصالحهم إلى صنّاع القرار والمؤسسات السياسية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني.

وقد استطاعت جاليات مختلفة في بريطانيا، بدرجات متفاوتة، بناء مؤسسات وشبكات تمثل مصالحها، وتعمل في مجالات السياسة والاقتصاد والتعليم والثقافة.

والفلسطينيون قادرون كذلك على بناء حضور مدني منظم، من دون أن يعني ذلك تخليهم عن اختلافاتهم أو تحولهم إلى حزب سياسي واحد.

بل ربما تكمن قوتهم في قدرتهم على التعاون مع بقاء الاختلاف.

لقد شهدنا في الانتخابات البريطانية الأخيرة أمثلة على قدرة القضايا المرتبطة بفلسطين على التأثير في النقاش العام، كما شهدنا مشاركة فلسطينية ومتضامنة في دعم بعض المرشحين. ويمكن دراسة هذه التجارب للاستفادة من الدروس التي قدمتها، من دون تحويلها إلى قاعدة عامة أو افتراض أن التأثير الانتخابي يسير دائمًا بالطريقة نفسها.

ماذا نحتاج إلى أن نفعل؟

إذا أردنا أن يتحول لقاء لندن إلى بداية مشروع حقيقي، فينبغي ألا تكون الخطوة التالية مجرد عقد لقاء آخر، وإنما تشكيل مجموعة عمل صغيرة تتولى تحويل الأفكار إلى خطة قابلة للتنفيذ.

وقد تبدأ الخطة بالخطوات الآتية:

  1. تشكيل لجنة تحضيرية تمثل التنوع الموجود بين الفلسطينيين في بريطانيا.
  2. إعداد قاعدة بيانات طوعية وآمنة للفلسطينيين الراغبين في الانضمام، بعد الحصول على استشارة قانونية متخصصة، مع الالتزام الكامل بالقوانين البريطانية المتعلقة بحماية البيانات.
  3. إجراء مسح للتعرف إلى الطاقات والكفاءات الفلسطينية في بريطانيا، من أطباء ومهندسين ومحامين وأكاديميين ورجال أعمال ومعلمين وإعلاميين وطلاب وعاملين في مؤسسات مختلفة.
  4. إنشاء منصة تواصل فلسطينية جامعة، تكون مهمتها الإعلام والتنسيق وتبادل المعلومات، لا فرض موقف فكري أو سياسي واحد.
  5. تشكيل مجموعات متخصصة في مجالات السياسة والتعليم والاقتصاد والإعلام والشباب والعمل الاجتماعي.
  6. التواصل مع أعضاء البرلمان والمجالس المحلية والمؤسسات البريطانية بطريقة قانونية ومهنية، لعرض القضايا التي تهم الفلسطينيين والتعرف كذلك إلى أولويات المجتمع البريطاني.
  7. وضع رؤية بعيدة المدى، بحيث لا يرتبط العمل بالأزمات والحروب والانتخابات وحدها، وإنما يصبح عملًا فلسطينيًا مستمرًا داخل المجتمع البريطاني.

الأفكار الكبيرة تبدأ صغيرة

ليس من الضروري أن يبدأ المشروع بمؤسسة ضخمة أو ميزانية كبيرة.

فالأفكار الكبيرة غالبًا ما تبدأ بفكرة يتبناها شخص أو مجموعة صغيرة من الأشخاص، ثم يعملون على تطويرها وتحويلها إلى مشروع قابل للتنفيذ، قبل أن يجد المشروع من يدعمه ويتبناه.

وهذا ما يمكن أن يحدث مع الفلسطينيين في بريطانيا.

قد يبدأ الأمر بلقاء صغير في لندن، ثم لجنة تحضيرية، فقاعدة بيانات طوعية، وشبكة تواصل، ومجموعات عمل متخصصة، وصولًا إلى مؤسسات ومشاريع تتوسع عامًا بعد عام.

وليس الهدف إنشاء مؤسسة جديدة تنافس المؤسسات الفلسطينية القائمة، وإنما إيجاد مساحة جامعة للتعاون والتنسيق، بحيث تستطيع المؤسسات والأفراد العاملون بالفعل أن يتعاونوا في القضايا المشتركة.

من أجل الأجيال القادمة

لا يتعلق المشروع بالجيل الحالي وحده.

فهناك أجيال فلسطينية شابة وُلدت أو نشأت في بريطانيا، وتحتاج إلى أن تجد طريقًا يجمع بين الحفاظ على هويتها الفلسطينية وكونها جزءًا فاعلًا من المجتمع البريطاني.

نريد لأبناء فلسطين وبناتها أن يكونوا أطباء ناجحين، ومهندسين متميزين، وأساتذة جامعيين، ورجال أعمال، ومحامين، وإعلاميين، ومعلمين، وسياسيين، وناشطين في المجتمع المدني، وأن يعرفوا، في الوقت نفسه، جذورهم وتاريخهم وهويتهم.

فالانتماء إلى فلسطين لا ينبغي أن يكون عائقًا أمام الاندماج الإيجابي في المجتمع البريطاني، كما أن المشاركة في المجتمع البريطاني لا تعني التخلي عن الهوية الفلسطينية.

من لقاء إلى مشروع

من هنا تأتي أهمية لقاء لندن الأخير.

قد يكون هذا اللقاء مجرد اجتماع آخر ينتهي بانتهاء يومه، وقد يكون، وهو ما نأمله، نقطة بداية لمشروع أكبر.

والفارق بين الاحتمالين يتوقف على ما سنفعله بعد اللقاء.

فإذا استطعنا تحويل التنوع بين الفلسطينيين من مصدر للاختلاف إلى مصدر للقوة، والانتقال من ردود الأفعال إلى التخطيط، ومن المناسبات المؤقتة إلى العمل المؤسسي، ومن الأعداد المتفرقة إلى مجتمع منظم، فإننا سنكون قد بدأنا بالفعل بناء حضور فلسطيني أكثر فاعلية في بريطانيا.

نحن لا نريد أن نوحّد الفلسطينيين في أفكارهم؛ فهذا غير واقعي ولا مطلوب.

لكننا نستطيع أن نجتمع حول ما يجمعنا.

نريد مظلة جامعة، لا لونًا سياسيًا واحدًا.

نريد تعاونًا، لا إلغاءً للاختلاف.

نريد مؤسسات، لا شعارات فقط.

ونريد الانتقال من مجرد الحضور إلى الفاعلية.

ولعل لقاء لندن يكون النواة الأولى لهذا المشروع.

فالمجتمع الذي يعرف عدد أبنائه وإمكاناتهم، ويتواصل معهم وينظم طاقاتهم، ويشارك في الحياة العامة من حوله، يستطيع أن يكون أكثر حضورًا وتأثيرًا، وأن يقدم لأبنائه وللمجتمع الذي يعيش فيه شيئًا حقيقيًا ومستدامًا.

إنها فكرة بدأت بلقاء، والسؤال الآن: هل نستطيع تحويلها إلى مشروع؟

اترك تعليقا