العرب في بريطانيا | الأبواب مسكرة والهموم مفرقة.. حكمة عن الحكايات ...

حكمة جدّي: «الأبواب مسكّرة والهموم مفرّقة»

حكمة جدّي: «الأبواب مسكّرة والهموم مفرّقة»
أميرة عليان تبلو سبتمبر 14, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

كان جدّي يقولها ببساطة أولئك الذين عرفوا الحياة قبل أن تتعقّد:

«الأبواب مسكّرة، والهموم مفرّقة».

جملة قصيرة، لكنها كانت تبدو لي، كلما كبرت، أكثر اتساعًا من معناها.

خلف الأبواب حكايات لا تُرى

فالبيوت، يا جدّي، لا تُغلق أبوابها على أهلها فقط، بل تُغلق خلفها حكايات كاملة لا يعرف عنها العابرون شيئًا. وراء كل باب غرفة تخفي دمعة، ومطبخ شهد انتظارًا طويلًا، وسرير نام عليه شخص مثقل بما لم يستطع أن يقوله لأحد.

نحن نلتقي بالناس في الشوارع، وفي العمل، وفي الأسواق، وفي المقاهي، ونظن أننا نعرفهم من وجوههم. نرى ابتساماتهم، وأناقتهم، وحديثهم العابر، وربما نغبط أحدهم على حياته الهادئة، ثم نمضي.

لكننا لا نعرف ماذا يحدث بعد أن يُغلق الباب.

لا نعرف الرجل الذي يعود إلى بيته آخر النهار، ويخلع حذاءه بصمت، ثم يجلس طويلًا دون أن يخبر أحدًا كم كان يومه ثقيلًا.

ولا نعرف المرأة التي تبتسم لأطفالها، وتطهو لهم، وترتب البيت، وتجيب عن سؤالهم: «ماما، شو فيكي؟» بـ«ما فيني شي»، بينما في داخلها أشياء كثيرة.

ولا نعرف الشاب الذي يبدو أمام أصدقائه قويًّا ومطمئنًّا، ثم يقضي الليل في محادثة طويلة مع نفسه، محاولًا أن يقنع قلبه بأن الغد سيكون أخف.

ولا نعرف العجوز الذي يجلس قرب النافذة، ولا ينتظر أحدًا تحديدًا، لكنه ما زال ينظر إلى الطريق كأن في العالم شخصًا تأخر كثيرًا عن العودة.

حين يتعلم التعب أن يمشي

كل الناس متعبون.

لكن التعب في زماننا تعلّم كيف يمشي.

نمضي إلى أعمالنا، ونشتري حاجاتنا، ونرد على الرسائل، ونضحك في المناسبات، ونلتقط الصور، ونبارك لبعضنا، ونسأل: «كيفك؟»، ثم لا ننتظر الإجابة.

نقول «بخير» بسهولة، حتى حين لا نكون بخير.

ولعل الإنسان لا يتجاهل همومه لأنه قوي، بل لأنه تعلّم أن الحياة لا تتوقف احترامًا لتعب أحد.

نحن لا نملك دائمًا رفاهية الانهيار.

لذلك نؤجل أحزاننا.

نضعها في زاوية من القلب ونقول: «بعدين».

ثم نذهب إلى العمل.

نعتني بأطفالنا.

نشتري الخبز.

نسدد الفواتير.

نجيب الهاتف.

نضحك حين يجب أن نضحك.

وننام ونحن نعرف أن في داخلنا حديثًا طويلًا لم يجد بعد من يسمعه، وهكذا تمضي الأيام.

ليس لأننا تجاوزنا كل شيء، ولكن لأننا تعلّمنا أن نحمل ما يؤلمنا ونحن نمشي.

لكل بيت قصته

ربما لهذا السبب تبدو حياة الآخرين لنا أسهل مما هي عليه فعلًا.

نرى بيتًا جميلًا، ولا نرى القلق الذي ينام خلف جدرانه.

نرى عائلة مجتمعة حول مائدة، ولا نعرف مَن بينهم يخوض معركة صامتة.

نرى رجلًا ناجحًا، ولا نعرف كم مرة بكى قبل أن يصل.

نرى امرأة تضحك من قلبها، ولا نعرف كم مرة اضطرت إلى أن تجمع قلبها قبل أن تخرج من البيت.

كل بيت فيه قصة.

هناك بيت ينتظر صاحبه أن يعود، وبيت يخاف أن يغادره أحد.

بيت امتلأ بالأطفال، ثم فرغ فجأة حين كبروا.

وبيت ما زالت فيه صورة شخص رحل، لكن أحدًا لم يملك الشجاعة ليضعها في درج.

وبيت يعيش فيه اثنان، وبينهما مسافة أكبر من مدينة.

وبيت صغير لا يملك كثيرًا من الأشياء، لكنه يخفي خلف بابه قلبًا يحاول أن ينجو كل يوم.

قليل من الرحمة

ولهذا، ربما علينا أن نكون أرحم ببعضنا، وأن نتوقف قليلًا عن مقارنة حياتنا بحياة الآخرين.

فما نراه من الناس هو الواجهة فقط، أما التفاصيل الحقيقية فتبدأ بعد أن تُغلق الأبواب.

قد يكون الشخص الذي ظننته باردًا غارقًا في حزنه.

وقد يكون مَن حسدته على راحته يحسدك أنت على شيء لا تعرف أنك تملكه.

وقد يكون الشخص الذي لم يسأل عنك ينتظر منك سؤالًا؛ لأنه لا يملك القوة ليطلبه.

«الأبواب مسكّرة، والهموم مفرّقة».

ومن خلف كل باب إنسان يحاول أن ينجو بطريقته.

لذلك، لا تكن قاسيًا في حكمك على أحد.

ابتسم للبائع الذي بدا شاردًا.

اسأل صديقك مرة ثانية: «عنجد كيفك؟».

احتضن أمك دون مناسبة.

اتصل بأبيك.

سامح مَن تستطيع مسامحته.

وقل لمَن تحب إنك تحبه، قبل أن يصبح الكلام الذي أجلته أثقل من أن يُقال.

فنحن جميعًا نمضي في هذا الطريق بحمل لا يراه أحد.

وقد لا نحتاج دائمًا إلى مَن يحل مشكلاتنا؛ فأحيانًا كل ما نحتاج إليه هو شخص يشعر بنا، ويقول لنا دون أسئلة كثيرة:

«بعرف… الدنيا تعبتك، بس أنا هون».

حكمة تصف الحياة

وربما كانت حكمة جدّي، في آخر الأمر، أكثر من وصف للبيوت.

كانت وصفًا للحياة كلها:

الأبواب مغلقة، والقلوب خلفها مزدحمة بالحكايات.

والناس جميعًا متعبون، لكنهم يمشون.

يمشون؛ لأن الوقت لا ينتظر.

ويمشون؛ لأن وراء كل يوم يومًا آخر.

ويمشون، أحيانًا، لا لأنهم بخير…

وإنما لأنهم لم يجدوا خيارًا آخر سوى أن يكملوا الطريق.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا