العرب في بريطانيا | العودة إلى المدرسة.. قيم وتحديات

العودة إلى المدرسة.. قيم وتحديات

العودة إلى المدرسة.. قيم وتحديات

العودة إلى المدرسة.. قيم وتحديات

أحمد النشاش سبتمبر 13, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

مع بداية العام الدراسي الجديد في بريطانيا، عاد أبناؤنا وبناتنا إلى مدارسهم، وعادت معهم إلى بيوت كثير من الأسر العربية والمسلمة مشاعر مختلفة من الأمل والقلق والتساؤل. فالآباء والأمهات يتطلعون إلى أن يحقق أبناؤهم النجاح والتفوق، وفي الوقت نفسه يحملون كثيرًا من الهواجس بشأن ما قد يواجهه هؤلاء الأبناء من أفكار وقيم وعقبات داخل المدرسة وخارجها.

ولعل من أكثر ما يشغل بال بعض الأسر الشعور بوجود فجوة بين القيم التي يتربى عليها الطفل في البيت، وبين بعض المفاهيم والقيم التي يتعلمها في المدرسة. وقد يدفع هذا الشعور بعض الآباء إلى التفكير في التعليم المنزلي (Homeschooling)، باعتباره وسيلة لإبعاد أبنائهم عن بعض المؤثرات التي يخشون منها.

لكن هل الحل أن نغلق الأبواب ونمنع أبناءنا من التعرض للأفكار المختلفة؟ أم أن علينا أن نعلمهم كيف يفهمون هذه الأفكار، ويناقشونها، ويميزون بين ما يتفق مع قيمهم وما لا يتفق معها؟

أعتقد أن الخيار الثاني هو الأجدى والأكثر واقعية.

فالمدارس البريطانية تتحدث عن مجموعة من القيم والمبادئ، ومن بينها الحرية والديمقراطية واحترام الآخرين وغيرها. وهذه في أصلها مفاهيم مهمة، لكن المشكلة قد تبدأ عندما يتلقى الطفل مفهومًا معينًا ويفسره بطريقة مختلفة عما يقصده الكبار.

خذوا مثلًا مفهوم الحرية.

قد يفهم الطفل في التاسعة أو العاشرة من عمره أن الحرية تعني أن يقول الإنسان ما يشاء، ويفعل ما يشاء، دون حدود أو قيود. وقد يفاجأ الأب أو الأم يومًا بأن ابنه أو ابنته يناقشه في قيم الأسرة، أو ينتقد بعض أفكار والديه، أو يقول إنه لا يريد الالتزام ببعض القيم العربية أو الإسلامية؛ لأنه يريد أن يكون “حرًا”.

وهنا تبدأ المواجهة.

لكن علينا أن نتساءل: هل الحرية تعني فعلًا أن يفعل الإنسان ما يشاء دون أي حدود؟

لو قلنا إن الحرية مطلقة، فإن الإنسان يستطيع أن يقود سيارته في أي مكان وبأي سرعة وبأي طريقة يريد. والطفل يستطيع أن يقود دراجته في أي شارع دون أن يلتزم بإشارات المرور أو قواعد السلامة. لكننا جميعًا ندرك أن هذا غير ممكن؛ لأن الحرية في أي مجتمع لا تنفصل عن المسؤولية، ولا بد أن تكون هناك قوانين وضوابط تحمي الفرد وتحمي الآخرين.

إذن نحن لا نريد أن نعلم أبناءنا رفض الحرية، وإنما نريد أن نعلمهم الحرية المسؤولة: أن للإنسان مساحة يتحرك فيها ويعبر عن رأيه، ولكن ضمن حدود تحفظ حقوقه وحقوق الآخرين.

وهنا تأتي مسؤولية الآباء والأمهات.

إن ما يتعلمه الطفل في المدرسة ينبغي ألا يكون موضوعًا مغلقًا بمجرد خروجه من بوابة المدرسة، بل ينبغي أن ينتقل إلى البيت ليكون مادة للحوار والنقاش.

وأقول للآباء والأمهات: إياكم والرفض المطلق!

عندما يأتي الطفل بفكرة سمعها في المدرسة، فلا تستقبلوها بالصراخ أو السخرية أو الاتهام، ولا تسارعوا إلى وصفه بأنه لا يفهم أو أنه أصبح يحمل أفكارًا غريبة. فقد تكون ردة الفعل هذه بداية مشكلة أكبر.

فالطفل قد يبدأ بالتفكير: “أبي لا يفهمني”، أو “أمي متخلفة”، أو “هذه القيم التي أعيشها في البيت قديمة ولا تناسب هذا العصر”.

وعندها قد يغلق الطفل باب الحوار، ويبدأ البحث عن الإجابات بعيدًا عن والديه.

أما إذا جلس الأب واستمع، وناقش بهدوء، وطرح الأسئلة، وطلب من ابنه أن يشرح كيف فهم الفكرة، فإنه يكون قد فتح بابًا مهمًا جدًا.

قد لا تقنع ابنك في الحوار الأول، وقد لا تقنع ابنتك في الحوار الثاني، وهذا أمر طبيعي. التربية ليست معركة هدفها تحقيق الانتصار في جلسة واحدة. إنها عملية طويلة تحتاج إلى صبر وتدرج واستمرار.

يمكن أن تستفيد من الحوار الأول لتبني عليه الحوار الثاني، ومن الأفكار التي سمعتها من ابنك في الحوار الثاني لتفتح بها موضوعًا ثالثًا. ومع مرور الوقت، يصبح الحوار عادة داخل الأسرة، ويصبح الأب والأم المرجع الذي يستطيع الابن العودة إليه عندما يسمع فكرة جديدة أو يواجه موقفًا لا يعرف كيف يتعامل معه.

وإذا وجد الأب أو الأم نفسه غير قادر على الإجابة عن سؤال أو مناقشة قضية معينة، فلا حرج في ذلك.

ليس مطلوبًا من الوالد أن يعرف الإجابة عن كل شيء. يمكنه أن يقول لابنه: “هذا سؤال مهم، دعنا نبحث عن إجابته معًا”. ثم يقرأ، ويستشير أهل الاختصاص، ويستمع إلى آراء مختلفة، ويعود إلى ابنه بحوار أكثر نضجًا.

وهذا في حد ذاته درس تربوي عظيم؛ فالطفل يتعلم أن البحث عن الحقيقة يحتاج إلى قراءة وتفكير واستشارة، لا إلى مجرد قبول رأي أو رفضه.

وهناك جانب آخر بالغ الأهمية: بعض الأبناء لا يخبرون آباءهم بكل ما يسمعونه أو يتعلمونه.

قد يكون الطفل خجولًا، أو قد يخشى من ردة فعل والديه، أو قد يظن أن الحديث عن بعض الأمور سيغضبهما. فيحتفظ بما يدور في ذهنه لنفسه، وتستمر الأفكار في العمل داخله، وقد يتحول الأمر مع الوقت إلى صراع داخلي لا يعرف الوالدان عنه شيئًا.

ولهذا ينبغي أن يكون الأب والأم حريصين على السؤال المستمر، لا على سبيل التحقيق والاستجواب، وإنما بدافع الاهتمام الحقيقي.

اسأل ابنك: ماذا تعلمت اليوم؟ ماذا كان موضوع اللقاء الصباحي (Assembly)؟ هل تحدثوا عن شيء جديد؟ ما المقصود بالقيم البريطانية؟ ماذا قال المعلم؟ وما رأيك أنت فيما سمعت؟

هذه الأسئلة البسيطة قد تفتح أبوابًا واسعة للحوار.

إن أبناءنا يعيشون بين بيئتين: بيئة الأسرة بما تحمله من قيم دينية وثقافية وأخلاقية، وبيئة المدرسة والمجتمع بما تحمله من أفكار ومفاهيم مختلفة. وليس المطلوب أن نخاف من هذا الواقع أو أن نهرب منه، وإنما المطلوب أن نربي أبناءنا على الوعي والقدرة على التفكير والنقاش والاختيار.

دور الأسرة أن ترسخ في أبنائها القيم الإسلامية والأخلاق الأصيلة، وأن تفهم في الوقت نفسه ما يطرح في المدرسة، ثم تساعد أبناءها على فهمه وتمييزه ومناقشته.

فالشاب أو الفتاة الذي يعيش صراعًا مستمرًا بين البيت والمدرسة قد يجد صعوبة في التركيز والاستقرار والتحصيل الدراسي. أما الطالب الذي يشعر بأن أسرته تفهمه وتستمع إليه، وتساعده على التعامل مع ما يواجهه، فإنه يكون أكثر قدرة على بناء شخصية متوازنة، وأكثر استعدادًا للنجاح في دراسته وحياته.

إن العودة إلى المدارس ليست مجرد عودة إلى الصفوف الدراسية، وإنما هي فرصة للآباء والأمهات كي يعيدوا اكتشاف عالم أبنائهم، ويفهموا ما يتعلمونه، ويتحدثوا معهم، ويبنوا معهم جسورًا من الثقة والحوار

فإذا أردنا أبناءً صالحين، ناجحين، واثقين بأنفسهم، وقادرين على العيش في المجتمع دون أن يفقدوا هُويتهم وقيمهم، فإن الطريق إلى ذلك لا يكون بالصراخ والخوف والرفض، وإنما بالحوار، والتربية، والقدوة، والثقة، والمتابعة.

وهذه، في نظري، هي إحدى أهم مسؤولياتنا مع بداية عام دراسي جديد.


 

اترك تعليقا

↑