من السابعة إلى السبعين.. تجربة تلفزيونية تتابع حياة أشخاص من الطفولة للشيخوخة تصل نهايتها
عندما وقف 14 طفلًا بريطانيًا أمام الكاميرا عام 1964 للحديث عن مدارسهم وعائلاتهم وأحلامهم، لم يكن أحد يتوقع أن تستمر الكاميرا في العودة إليهم طوال أكثر من ستة عقود.
كان البرنامج الأصلي يحمل اسم 7 Up، وفكرته بسيطة وغير مسبوقة في الوقت نفسه: اختيار أطفال في السابعة من خلفيات اجتماعية مختلفة، ثم محاولة معرفة ما الذي يمكن أن تقوله حياتهم عن الطبقة والمجتمع ومستقبل بريطانيا.
بعد ذلك عادت الكاميرات إليهم كل سبع سنوات؛ في الرابعة عشرة، ثم الحادية والعشرين، والثامنة والعشرين، وهكذا، حتى أصبحت السلسلة واحدة من أشهر التجارب الوثائقية في تاريخ التلفزيون البريطاني.
والآن يصل المشروع إلى نهايته.
ففي الثلاثاء المقبل، 15 سبتمبر/أيلول، تعرض ITV الجزء الأول من 70 Up، الذي يعود إلى المشاركين بعدما بلغوا السبعين من العمر، قبل عرض الجزء الثاني والأخير في 22 سبتمبر/أيلول. وتنهي الحلقتان رحلة تلفزيونية بدأت قبل 62 عامًا.
أطفال يمثلون بريطانيا
ظهر الفيلم الأول عام 1964 ضمن برنامج World in Action، وجمع 14 طفلًا اختيروا من بيئات اجتماعية واقتصادية مختلفة.
لم يكن الهدف مجرد تقديم مجموعة من الأطفال أمام الكاميرا، بل اختبار فكرة أوسع حول مدى تأثير الطبقة والفرص المتاحة في الطفولة على مستقبل الإنسان.
وكان السؤال الذي ظل يطارد السلسلة طوال العقود التالية بسيطًا: إلى أي مدى يمكن التنبؤ بمصير شخص من الظروف التي ولد ونشأ فيها؟
ولهذا لم تكتف الكاميرات بتسجيل التغير في الملامح مع العمر، وإنما تابعت الدراسة والعمل والزواج والطلاق والأبوة والمرض والفقد، إلى جانب التحولات الاجتماعية التي مرت بها بريطانيا نفسها.
ومع مرور الوقت، تحول البرنامج من تجربة تلفزيونية عن الطبقات الاجتماعية إلى سجل نادر لحياة مجموعة من الأشخاص العاديين على امتداد عقود كاملة.
موعد كل سبع سنوات
بعد البرنامج الأول، عادت الكاميرا إلى المشاركين في 7 Plus Seven عندما بلغوا الرابعة عشرة، ثم في 21 Up و28 Up و35 Up و42 Up و49 Up و56 Up و63 Up.
وخلال كل حلقة، كان المشاهد يشاهد مقاطع من طفولة المشاركين إلى جانب حياتهم الجديدة، فيرى كيف تغيرت طموحاتهم وعلاقاتهم ومواقفهم من الحياة.
وبعض المسارات جاءت قريبة من التوقعات التي ظهرت عندما كانوا أطفالًا، بينما ذهبت حياة آخرين في اتجاهات لم يكن من الممكن توقعها.
وأصبح ذلك جزءًا من جاذبية السلسلة: لم تعد القضية إثبات أن مصير الإنسان تحدده طبقته، وإنما مشاهدة الصراع المستمر بين الظروف والاختيارات والصدفة.
إلى أين وصل أطفال السابعة؟
ربما يظهر معنى التجربة بصورة أوضح عند مقارنة بعض المسارات التي انتهت إليها حياة المشاركين.
كان جون بريسبي واحدًا من ثلاثة أطفال اختيروا من مدرسة إعدادية خاصة، وظهر في السابعة وهو يتحدث بالفعل عن الدراسة في أكسفورد. تحقق جزء كبير من المسار المتوقع له؛ درس القانون في جامعة أكسفورد وأصبح محاميًا، ثم مستشارًا للملكة قبل أن يصبح اللقب مستشار الملك.
أما نيك هيتشون، الذي نشأ في مزرعة في يوركشاير وظهر طفلًا بعيدًا عن عالم النخبة الذي مثله بعض المشاركين الآخرين، فقد درس الفيزياء في أكسفورد، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة وأصبح أستاذًا للهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب في جامعة ويسكونسن-ماديسون.
وعلى مسار مختلف تمامًا، ظهر توني ووكر في السابعة وهو يحلم بأن يصبح فارس سباقات خيل. حاول بالفعل دخول هذا العالم وعمل فترة في سباقات الخيل، لكنه لم يصبح فارسًا محترفًا ناجحًا، قبل أن يعمل لاحقًا سائق سيارة أجرة في لندن ويظهر في عدد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية بأدوار صغيرة.
أما نيل هيوز، فقدم أحد أكثر المسارات تقلبًا في السلسلة. كان طفلًا مرحًا يتحدث عن المستقبل بحماس، لكنه ظهر في العشرينيات من عمره بلا منزل مستقر ويعيش في ظروف صعبة. وفي السنوات اللاحقة تغير مساره مجددًا؛ استقر وعمل في السياسة المحلية، وأصبح عضوًا في مجلس محلي عن الديمقراطيين الأحرار.
وهذه الاختلافات هي التي منحت المشروع قوته على امتداد العقود. فبعض الأطفال ساروا بالفعل في طرق بدت مرسومة أمامهم منذ البداية، وبعضهم انتقل بعيدًا عن البيئة التي نشأ فيها، بينما مرت حياة آخرين بتحولات كان من المستحيل تقريبًا استنتاجها من مشاهدة الطفل الذي ظهر أمام الكاميرا عام 1964.
المشروع الذي لم يكن يفترض أن يستمر
المفارقة أن 7 Up لم يبدأ باعتباره مشروعًا يمتد طوال حياة المشاركين.
أخرج بول ألموند الفيلم الأول، بينما عمل مايكل أبتد في المشروع منذ بدايته، قبل أن يتولى إخراج الأجزاء اللاحقة ابتداء من عام 1970.
ومع نجاح فكرة العودة إلى الأطفال بعد سبع سنوات، استمرت التجربة، ليصبح أبتد مرتبطًا بها طوال بقية حياته تقريبًا.
وظل يعود إلى المشاركين مرة كل سبع سنوات حتى 63 Up عام 2019، قبل وفاته عام 2021.
أما الفصل الأخير، 70 Up، فيتولى إخراجه المخرج البريطاني الحائز على الأوسكار آصف كاباديا، المعروف بأفلام وثائقية من بينها Amy وSenna.
لم يحب الجميع الكاميرا دائمًا
لكن العيش أمام الكاميرا طوال العمر لم يكن تجربة سهلة بالنسبة إلى جميع المشاركين.
فقد ابتعد بعضهم عن السلسلة في مراحل معينة، بينما انتقد آخرون الطريقة التي جرى بها تصوير حياتهم أو الأسئلة التي وجهت إليهم.
وكانت جاكي باسيت، إحدى المشاركات الأصليات، من بين من انتقدوا في السابق طريقة طرح بعض الأسئلة على النساء، معتبرة أنها عكست تصورات ضيقة عن حياتهن وأدوارهن.
وفي المقابل، عاد كثير ممن ابتعدوا في إحدى المراحل للمشاركة لاحقًا، بينما أصبح المشروع نفسه جزءًا من حياتهم يصعب فصله عنها.
غاب اثنان قبل النهاية
لن يصل جميع الأطفال الأربعة عشر الذين ظهروا عام 1964 إلى الحلقة الأخيرة.
فقد توفيت لين جونسون عام 2013، بينما توفي نيك هيتشون عام 2023 بعد إصابته بالسرطان.
لكن هيتشون استطاع تسجيل مقابلة أخيرة للمشروع قبل وفاته بفترة وجيزة، وستظهر في 70 Up، ليصبح حضوره الأخير واحدًا من أكثر أجزاء النهاية تأثيرًا.
من أطفال إلى متقاعدين
في الحلقات الجديدة، لم يعد السؤال عن المدرسة أو الوظيفة التي يريد المشاركون الحصول عليها عندما يكبرون.
فمع بلوغهم السبعين، أصبح الحديث يدور حول التقاعد والعائلة والصحة والفقد، وعن الطريقة التي ينظرون بها الآن إلى الخيارات التي اتخذوها والأحلام التي تحدثوا عنها وهم أطفال.
وبالنسبة إلى المشاهدين الذين تابعوا السلسلة منذ عقود، فإن النهاية تحمل معنى إضافيًا؛ فقد تقدم المشاركون في العمر أمام الكاميرا في الوقت نفسه الذي تقدم فيه جزء من الجمهور معهم.
ولهذا تجاوزت Up منذ فترة طويلة كونها برنامجًا عن 14 شخصًا، وأصبحت أيضًا سجلًا مصورًا لبريطانيا نفسها، من الستينيات إلى القرن الحادي والعشرين.
62 عامًا أمام الكاميرا

عندما ظهر الأطفال للمرة الأولى عام 1964، كان من المستحيل تقريبًا تصور عالم عام 2026.
لكن الصور القديمة بقيت، وفي كل سبع سنوات كانت الكاميرا تضيف فصلًا جديدًا إلى حياة الأشخاص أنفسهم.
والآن، بعدما أصبح أطفال السابعة متقاعدين في السبعين، تصل التجربة إلى نهايتها المعلنة.
وتعرض الحلقة الأولى من 70 Up على ITV1 وITVX مساء الثلاثاء 15 سبتمبر/أيلول، على أن تعرض الحلقة الثانية والأخيرة في 22 سبتمبر/أيلول.
وبإغلاق الكاميرا للمرة الأخيرة، ينتهي واحد من أطول المشروعات الوثائقية في تاريخ التلفزيون البريطاني؛ مشروع بدأ بسؤال عن المستقبل، وانتهى بتسجيل حياة كاملة تقريبًا.
المصدر: ITV
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇